المكتبة المقروءة
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة
وعلمك ما لم تكن تعلم
 

الحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً مباركاً .

والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين .

أما بعد :

حــمـداً لمـن بـلـغــنا المــراما                      وزادنــا مـن فـضـلـه إكــراماً

ثـم صــــلاة الله مــا ســــوى                     بــرق عــلى طـيـبة وأم القـرى

مـع الســلام يـغــشـيـان أحـمدا                       وآله المـســـتكـملـين الرشـــدا

حمداً لك اللهم علمتنا وما كنا لنعلم .. وفقهتنا وما كنا لنتفقه .

 

        رفعت بالإسلام رؤوسنا وكانت مخفوضة .. وشرحت بالإسلام صدورنا وكانت ضيقة .

أحبائي في الله .. هذه الرسالة تتكون من عناصر متتالية هي :

أولاً : فضل العلم

والعنصر الثاني: تشجيعه ( صلى الله عليه وسلم ) للعلماء وللأساتذة والمربين .

العنصر الثالث : طرق تعليمه ( صلى الله عليه وسلم ) وتندرج تحتها أربع مسائل

أولها : القدرة بالعمل والتعليم بالقدرة .

ثانيها : ضرب الأمثلة .

ثالثها : الخطاب والوعظ .

رابعها : مراعاة المناسبات .

أما العنصر الرابع : فمبدأ التخصص العلمي كما وضعه ( صلى الله عليه وسلم ) للناس .

أما فضل العلم : فقد قال سبحانه : ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ )(الزمر: من الآية9) ثم ترك الجواب لوضوحه أي لا يستوون .

وقال سبحانه وتعالى : ( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)(المجادلة: من الآية11) .

وقال سبحانه وتعالى : ( وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ)(العنكبوت: من الآية43) .

وعندما أراد الله أن يستشهد على ألوهيته استشهد العلماء : ( شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (آل عمران:18) .

والله يقول في الآيات : ( بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ )(العنكبوت: من الآية49).

والرسول ( صلى الله عليه وسلم ) عندما بدأ دعوته بدأ بالعلم ، لأن الله قال له : ( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ )(محمد: من الآية19) ، قال البخاري في الصحيح ك فبدأ بالعلم قبل القول والعمل .

وفي الصحيحين من حديث أبي موسى قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ( مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث أصاب أرضاً فكان منها أرض طيبة ـ وعند مسلم ـ نقية ، قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير .

وكان منها أرض أجادب أمسكت الماء ، فنفع الله بها الناس فسقوا وزرعوا .

وكان منها طائفة إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ ، فذلك مثل من فقه فيها بعثني الله بع فعلم وعلّم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به )، ما أحسن اللفظ !

بالله لـفـظـك هـذا ســال مـن عـسـل         أم قـد صــببت على أفـواهـنا العـسلا

أم المــعــاني اللـواتي قــد أتيـت بها           أرى بـهـا الــدر واليـاقــوت متصلاً 

 

لماذا قال ( صلى الله عليه وسلم )  في الحديث : ( الغيث ) ن ولم يقل : ( المطر ) ؟

ولماذا قال : ( بعثني ) ولم يقل : ( أرسلني ) ؟

ولماذا قال (طائفة) طيبة ولم يقل : (تربة ) طيبة .

ولماذا قال ( صلى الله عليه وسلم ) ( الهدى والعلم) ولم يقل : ( الهدى ) ويسكت .

هذه أسرار بلاغية في الحديث وحل إشكالها كالتالي .

أما قوله : الغيث ، فإن الله سبحانه في القرآن يذكر الغيث للرحمة غلباً ، إذا أراد أن يذكر سبحانه وتعالى العذاب قال : ( وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ) (الشعراء:173) فعدل ( صلى الله عليه وسلم ) عن المطر إلى الغيث لأجل هذا .

قال القرطبي:لأن الغيث صاف من السماء ، فشبه علمه بالغيث الصافي الذي ما خالطته الفلسفة وما داخله المنطق .

والغيث أيضاً : فيه غوث للقلوب وكذلك العلم .

وقال ( صلى الله عليه وسلم ) من العلم والهدى .. لأن رسالته ( صلى الله عليه وسلم ) أتت بالعلم النافع والهدى ، وهو العمل الصالح .

ولذلك يقول ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم نقلاً عن سفيان بن عيينة : من فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى ، ومن فسد من علمائنا ففيه شبه باليهود .. لأن رسالته ( صلى الله عليه وسلم ) ليست ساذجة تعبدية تقليدية ، وليست علمية تنظيرية ، ولكنها جمعت بين العلم والعبادة ، وبين الفكر والإدارة وبين المعتقد والسلوك ، ولذلك ذم الله بني إسرائيل بأنهم تعلموا لكن لم يعملوا .

    ومنهم من قال الله فيه ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (لأعراف:176) .

ووصف الله بني إسرائيل بصفة الحمار الذي يحمل ولا يفهم : ( كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً ) (الجمعة: من الآية5) .

ولذلك لا يكون العلم بحفظ المجلدات والمصنفات ، لكنه إرادة إيمانية وعمل صالح ، وذلك قال الله : (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْأِيمَانَ)(الروم: من الآية56) لأن العلم بلا إيمان علمانية .

يقول أبو الحسن الندوي : عين بلا إيمان مقلة عمياء .. وقلب بلا إيمان كتلة لحم ميتة .. ومجتمع بلا إيمان قطيع من البهائم السائمة .

ونحن نقول : وقصيدة بلا إيمان كلام مصفف ، وكتاب بلا إيمان كلام ملفف ، وكلمة وخطبة بلا إيمان صهيل وزمجرة لا فائدة منها .

        إذا علم هذا ن فالرسول ( صلى الله عليه وسلم ) أراد أن يجمع بين العلم والإيمان وبين العلم والعمل . لأن هناك من يجمع العلم بلا عمل كما سبق .. وهناك من هو بخلاف هذا من يجمع العمل ولكن دون علم وبصيرة ن كالنصارى وعباد المتصوفة ، قال تعالى : ( وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ )(الحديد: من الآية27) وشابههم في هذا كما قلت عباد الصوفية .

ومن لطائف ما يذكر ما ذكره الخطابي في ( العزلة ) عن أحدهم بأنه لصق على عينه اليسرى بلصاق ، فلما سألوه عن ذلك قال : من الإسراف أن أنظر إلى الدنيا بعينين !! فانظر إلى هذا المخرف كيف جحد نعمة الله .. والله يمتن على الناس ويقول : ( أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ(8) وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ) (البلد:9) .

        وقال ابن الجوزي في تلبيس إبليس : رؤى صوفي يقرأ وهو ينعس في صلاة الظهر .

فقالوا : ما لك ؟

قال : سهرت البارحة في النافلة فما استطعت أن أصلى الظهر إلا وأنا ناعس !!

قال أبن الجوزي : فانظر إلى جهله كيف صلى النافلة حتى ضيع الفريضة .

إذا علم هذا ، فقد شجع ( صلى الله عليه وسلم ) العلماء فهو يقول لمعاذ : ( إنك تأتي يوم القيامة قبل العلماء برتوة ) والحديث حسن(1) . والرتوة : رمية بحجر .

قال ( صلى الله عليه وسلم ) ( رأيت البارحة كأني أوتيت بإناء من لبن فشربته حتى إني رأيت الري يخرج من أظافري ، ثم أعطيت فضلتي عمر بن الخطاب ). 

قالوا : فما أولت ذلك يا رسول الله ؟

قال : ( العلم ) .

فعمر بن الخطاب من أعلم الناس .. ولا أحد إلا فضلة من فضلات المصطفى ( صلى الله عليه وسلم ) .

وأبن عباس رضي الله عنهما بات عند خالته ميمونة يوماً .. فجاء ( صلى الله عليه وسلم ) ورآه نائماً وهو لم ينم ، فقال لميمونة : ( نام الغليم ) .

قالت: نعم

قال : فأتي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فذكر الله وهلل الله وكبر ثم نام حتى سمعت غطيطه ( وهو صوت يحدثه النائم ) ، فانظر إلى هذا الغلام الذكي الذي عمره عشر سنوات أو أقل ويحفظ مع ذلك الغطيط .

قال : ثم استفاق ( صلى الله عليه وسلم ) يفرك النوم من عينيه وهو يقول (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) (آل عمران:190)

الآيات . ثم قام يقضي حاجته ، فعرف ابن عباس أن الرجل إذا قام ليقضي حاجته احتاج إلى ماء ، وهذا من الفقه في الدين ، فوضع الماء للرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ورجع لينام .

وأتي ( صلى الله عليه وسلم ) يسائل نفسه : من وضع لي الماء ؟ ثم عرف فقال ( اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل ) رواه البخاري .

فهذه ليلة الميلاد في حياة ابن عباس رضي الله عنهما .. فقد ولد ابن عباس تلك الليلة لأن للإنسان مولدين : مولد جسماني ومولد روحاني .

فمولده الجسماني يوم يسقط من بطن أمه .

ومولده الروحاني يوم يولد في الإسلام ، فاصبح ابن عباس مع مرور الزمان عالم الأمة وحبرها وترجمان القرآن بفضل دعاء النبي ( صلى الله عليه وسلم ) له .

يأتي أبو هريرة إلى الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) وهو فقير فكان يسمع الحديث ويحرص على حفظه ولكن دون جدوى . لأنه لم يكن يكتب .

فقال : يا رسول الله إني أسمع منك أحاديث كثيرة فأدع لي .

قال : ( ابسط رداءك ) .

فبسط رداءه فحثا ( صلى الله عليه وسلم ) فيه بيديه وهو يقول : ( اللهم حفظه ) أو كما قال ( صلى الله عليه وسلم ) ثم قال : ( ضم رداءك ) .

قال : فضممت ردائي ، فالله ما نسيت بعدها حرفاً أبداً (1) .

ومن أراد أن يعرف حفظ أبي هريرة فيقرأ كتاب : ( الدفاع عن أبي هريرة ) لعبد المنعم الصالح العلي .

يقول ( صلى الله عليه وسلم ) لأبي بن كعب : ( يا أبا المنذر أي آية في كتاب الله أعظم ؟)

قال : الله ورسوله أعلم .

قال : أي آيه في كتاب الله أعظم ؟

قال : ( اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) (آل عمران:2)  أي آية الكرسي .

فضرب ( صلى الله عليه وسلم ) في صدره وقال له : ( ليهنك العلم أبا المنذر(2) ) .

ولذلك في الصحيحين : ( لا حسد إلا في اثنين : رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به أناء الليل وأناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق ) .

ابن أبي الجعد مولى عبد من المدينة وكان مع سيده ولا يعرف يطبخ ولا يسلخ ولا يذبح ، فهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت يخبر .

قال له مولاه : قد أعتقتك لوجه الله ، والله ما أعتقتك إلا وقد عجزت فيك لأنك لا تجيد شيئاً .

قال : ماذا افعل ؟

قال أطلب العلم .

قال فجلست سنة أطلب العلم ، وبعد سنة استأذن على أمير المدينة في القيلولة فلم آذن له فرجع من عند الباب !!

عطاء بن رباح كان أشل افطس .

يقول أحد التابعين : لو جمعت العيوب في الناس لاجتمعت في عطاء رضي الله عنه وأرضاه ن اجتمع ببابه الناس ومعهم الخليفة سليمان بن عبد الملك جاء ليسأله .

فقال للخليفة : خذ مكانك مع الناس ولا تتقدم على الناس ! وهو خليفة دمشق وخليفة الأمة الإسلامية .

فرجع سليمان حتى أتى دوره فسال عطاء .

فقال سليمان لأبنائه : تعلموا العلم ، فو الله ما ذللت لأحد من الناس كما ذللت اليوم لهذا العبد !

لأن عطاء عبد وكلنا عبيد الله .

قال الأندلسي مشجعاً أبنه على العلم :

هو العـضب المـهنـد ليـس ينبو                    تصـيب بـه مـضارب مـن أردت

وكـنز لا تخـاف عـليـه لصـاً                      خـفيف الحـمل يوجـد حـيث كنت

يزيـد بكــثرة الإنـفـاق مـنه                      ويـنـقـص إن بـه كــفاً شـددت

فـبـادره وخـذ بالجــد فـيـه                      فـإن أعـطـاكـه الله انـتـفـعـت

ويقول ( صلى الله عليه وسلم ) ( إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع(1) ) .

ويقول ( صلى الله عليه وسلم ) ( مسلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة ) وهذا في مسلم .

وعند البخاري  ومسلم من حديث معاوية قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ( من يرد الله به خيراً يفقه في الدين ) ، وبمفهوم المخالفة أن من لم يرد به خيراً لا يفقه في الدين .

أما طريقة تعليمه ( صلى الله عليه وسلم ) فقد كانت طرقه في التعليم أربع طرق :

أولها : القدرة بالعمل ، قال تعالي : ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) (الأحزاب:21) فكان يعمل بالعلم ويقول للناس افعلوا كما افعل .

في البخاري عن مالك بن الحويرث قال :  يقول رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) .

وفي الصحيحين من حديث سهل بن سعد : قام رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على المنبر فصلى بنا فصلى الناس بصلاته .

وكان يتوضأ ويقول : ( من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه دخل الجنة ) .

ويحج ويقف في عرفات ويرمي الجمار ويبيت في مزدلفة ونى ويقول : ( خذوا عني مناسككم )(2) .

القدوة في التعليم منه ( صلى الله عليه وسلم ) أن يقول القول فيصدقه بالعمل .

يقول للناس : جاهدوا المشركين وهو أول مجاهد .

يدعوهم لقيام الليل : وهو يسهر الليل ويبكي من طاعة الله ومن خوف الله .

أما الطريقة الثانية في تعليمه ( صلى الله عليه وسلم ) : فضرب الأمثلة ن فهو يقول مثلاً : ( إن مثلي ومثلكم كمثل النذير العريان )(3) .

يأتيه أعرابي جلف فيغلظ له القول ويطلب منه مالاً .. فيهم به الصحابة فيقول ( صلى الله عليه وسلم ) للناس:( أتدرون ما مثلي ومثلكم ومثل هذا الإعرابي ؟ مثلنا كمثل رجل هربت دابته فلحقها الناس وهي تفر عنهم .. فجاء وقال : خلوا بيني وبين دابتي ، فأتاها حتى أناخها ) .. أو كما قال ( صلى الله عليه وسلم )(4) .

ويريد ( صلى الله عليه وسلم ) أن يبين الأجل والأمل والإنسان فيرسم خطاً مربعاً وخطاً خارجاً من المربع وجعل الأمل النقطة التي خارج المربع ، والأجل هو طرف المربع إلى يفصل هذا الخط والإنسان داخل المربع .

وقال ( هذا الإنسان وهذا أمله وهذا أجله وهذه العوارض ، إن أخطأه هذا نهشه هذا ) . هذا ضرب الأمثلة في حياته ( صلى الله عليه وسلم ) وهو منهج قرآني فقد ضرب الله لنا عدة أمثلة في القرآن .

أما الطريقة الثالثة في تعليمه ( صلى الله عليه وسلم ) فهي الخطابة والوعظ ، فهو يخطب يوم الجمعة  فتدمع القلوب قبل العيون .. يتكلم للناس فيبكي الأرواح قبل المقل .

يتكلم ( صلى الله عليه وسلم ) فتهتز المنابر ، فهو أخطب خطيب عرفته البشرية والواعظ كذلك .

ولا بد للمسلمين في الدعوة من أمرين : منبر للواعظ ، وحلقة للتدريس

فمنبر الوعظ يشحن القلوب ويقودها إلى بارئها .

وحلقة الدرس الهادئة تربي العلم التأصيلي في النفس .

أما الطريقة الرابعة في تعليمه ( صلى الله عليه وسلم ) فهي مراعاة المناسبات .

يقول المتنبي :

فـوضـع النـدى فـي مـوضـع السـيف بالعـلا

مـضـر مـوضـع السـيـف فـي مـوضـع النـدى

 

فالرسول ( صلى الله عليه وسلم ) يعرف البيئة التي يتكلم فيها ، ولذلك أثمرت دعوته .

ويخطئ كثير من الدعاة يوم يذهبون إلى البادية فيتكلمون لهم بكلام الحاضرة ، أو يتكلمون لأهل الحاضرة بكلام أهل البادية .

فهذا جهل بأسلوب الدعوة .

فالرسول ( صلى الله عليه وسلم ) يتكلم لكل فئة بما يمكن أن تدركه عقولها .

قال على بن أبي طالب : (حدثوا الناس بما يعرفون ، أتريدون أن يكذب الله ورسوله ).

وقال أبن مسعود : إنك لست محدثاً قوماً بحديث لا تبلغه عقولهم إلا كان على بعضهم فتنة .

فهو يحدث أبا بكر بحديث خاص يهم مكانته وشخصيته .

ويوصي أبن عباس بوصايا الشباب كقوله في الترمذي : ( أحفظ الله يحفظك ) .

ويحدث زيد في الفرائض لأنه يقول ( أفرضكم زيد )(1) .

ويحدث النساء ، وشؤون المرأة ، وحياة المرأة وأحكام المرأة .

فمراعاة المناسبات أمر حرص ( صلى الله عليه وسلم ) عليه في العلم .

أما العنصر الرابع : فهو مبدأ التخصص في حياته ( صلى الله عليه وسلم ) ، وهو ظاهر جداً في تعامله مع أصحابه .

وبعض الناس يظن أن التخصص قتل للعلم ، وفي كلامهم حق وباطل .

أما الحق : فإن الطالب يجب أن يكون عنده حد أدنى من العلوم الإسلامية ، لكنه يبرز في ناحية من النواحي ، ولا تكون قوته في كل ناحية كقوته في تلك الناحية التي برز فيها .

ومن قرأ التاريخ واستقرأ العلماء وجد أن كل عالم برع في فن من الفنون أكثر من غيره .

فهذا منهجه ( صلى الله عليه وسلم )) مع أصحابه فمثلاً أنسي ( صلى الله عليه وسلم ) آيه في الصلاة فلما سلم قال الناس : يا رسول الله نسيت هذه الآية .

فقال : ( يا أبا المنذر أكما يقول الناس؟ ) .

قال : نعم يا رسول الله .

فهو لم يسل غيره رضي الله عنه لأنه يعلم تمكنه من القرآن حفظاً ودراسة .

وهكذا غيره من الصحابة ، كخالد بن الوليد الذي برع في المعارك حتى سماه الرسول : ( سيف الله المسلول ) لكنه لم يبرع في حفظ أو رواية الأحاديث مثلاً .

وهكذا حسان بن ثابت في الأدب .. فقد أتي وفد بني تميم كما صح في السير فقالوا : يا رسول الله عندنا شاعر وخطيب نريد أن نفاخرك .

فجمعهم في المسجد وقال لحسان : ( أتستطيع أن ترد على شاعرهم ؟ )

قال : إي والله يا رسول الله .

قال : ( بماذا ؟)

فقال : عندي يا رسول الله لسان لو وضعته على حجر لفلقه ، ولو وضعته على شعر لحلقه .. ثم أخرج لسانه فضرب به أرنبة أنفه ! فبدأ الزبرقان بن بدر شاعرهم وألقى قصيدة يقول فيها

نحـن المـلـوك فـلا  حـي يـقــارعـنا         مـنـا المـلوك وفـيـنـا تـنـصـب البيـع

 إلى أن تلي ما يقارب خمسين بيتاً .

وبعدها قام حسان فرماهم بما يقارب ستين بيتاً بدأها بقوله :

إن الذوائـب من فـهـر واخــــوتـها            قــد بـيـنـوا ســنـة للنـاس تـتـبـع

يـرضـى بـها كـل من كـانت سـريرته           تـقـوى الإلـه وبـالأمـر الـذي شـرعـوا

إلى آخر الأبيات .

فقال بنو تميم : غلب شاعرك شاعرنا .

وهكذا غيرهم من الصحابة لمن تأمل سيرهم .

إننا نؤمن بالتخصص ونصنف الناس على حسب تخصصاتهم ، فحق على القائمين على الدعوة والجامعات من أساتذة ومدراء جامعات أن يصنفوا من حولهم إلى باحث خبير ، وكاتب صحفي ، ومتكلم قدير ، ومفتٍ للناس لتنهض الأمة الإسلامية قوية في جانب الدعوة .

ثم أعود فأقول : إن العلم أيها الأبرار أفضل من النوافل الأخرى وقد هون بعض الناس من شأنه وقالوا لمن يحفظ المتون : ( زاد نسخة في البلد ) !

لا والله ما زادت نسخة في البلد ، بل زاد عالم جليل .

ومن يهون من العلم فإنما أتي من تقصيره وخمول همته .

ثم أنبه أيها الأخوة إلى أنه وجد أناس في الساحة يعيشون على الفكر وحده وهو لا يكفي وحده دون العلم الشرعي المؤصل .. لأنه مبني على التطور والتقلب دون الثبات .

أسأل الله لي ولكم في الختام علماً نافعاً وعملاً صالحاً متقبلاً .

وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

صفة العالم والمتعلم

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين

أما بعد :

·        قال البخـاري : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : بينما النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في مجلس يحدث القوم جاءه أعرابي فقال : متى الساعة ؟ فمضى الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) يحدث: فقال بعض القوم : سمع ما قال فكره ما قال ، وقال بعضهم : بل يسمع .

حتى إذا قضى حديثه قال : ( أين أراه السائل عن الساعة ) ؟

قال : ها أنا يا رسول الله .

قال : ( فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة ) .

قال : كيف إضاعتها ؟

قال : ( إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة )(1) .

لا يهمنا أن نعرف اسم الإعرابي ونسبه وقبيلته ، فليس وراء ذلك طائل ، المهم أن نعرف العبر من هذا الحديث

القضية الأولى التي نستفيدها من هذا الحديث أن من صفات العالم :

أولاً : أن يخلص بعلمه وعمله لوجه الله سبحانه وتعالى ، لا يرد رياء ولا سمعة ، لأنه إذا لم يخلص فسوف يذهب عمله هباء منثورا .

ثانياً : أن يتحبب لطلابه ، فإن سلطان الحب سلطان قوي ولا يمكن أن يسيطر على القلوب إلا بالحب ، فلا يستخدم العنف ما استطاع للحب سبيلا .

ثالثاً : ألا يهدر أعظم المصالح لحساب أمر أقل ن كأن يكون في مثل هذا الجمع نفر كثير يكلمهم المعلم ويستفيدون منه ، ثم يأتي واحد متأخر فيسأل سؤلاً فيقطع الفائدة على الجميع .

فالرسول ( صلى الله عليه وسلم ) لما كان يعلم الصحابة وفيهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلى ، يأتي هذا الإعرابي المتأخر ثم يقطع عليه الحديث ، فهل من الحكمة أن ينصرف ( صلى الله عليه وسلم ) ويقول : ماذا تريد؟ وجواب سؤالك كيت وكيت ، ويترك هؤلاء الذين معه منذ الصباح .

بل الحكمة تقديم أهل الفضل في فضلهم ، ومعرفة أهل المنازل ولذلك يقول ( صلى الله عليه وسلم ) كما رواه أبو داود وعلقه مسلم في صحيحه عن عائشة قالت : قال ( صلى الله عليه وسلم ) ( أنزلوا الناس منازلهم ) فمن إنزال الناس المنازل أن نعرف لأهل الحق حقهم ، فلا يحق لك أن تترك النفـر الكثير من أجل شخص قد أتى متأخراً .

المسألة الثانية : التي أخذها أهل العلم من هذا الحديث قطع الخطبة والحديث لمخاطبة الناس .

فهل يحق للإمام أن يقطع الخطبة إذا كان يخطب الناس ، ويتكلم إذا دخل عليه داخل فقاطعه ؟

المسألة فيها تفصيل : فإن كان السؤال وجيهاً وفي غير خطبة الجمعة فله أن يقطع الخطبة كهذا الدرس ، لأن هذا التعليم والدرس نافلة وتعليم الجاهل فريضة .

وفي صحيح مسلم أن الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) علم معاوية بن الحكم وغيره وقطع الحديث ( صلى الله عليه وسلم ) ولذلك يقول عمر بن عبسة : أتيت الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) فوجدته يتحدث للناس على كرسي من حديد ، فقلت : يا رسول الله أنا رجل لا يعرف دينه فما دينك ؟ فتبسم ( صلى الله عليه وسلم ) وترك الناس ونزل من على كرسيه وأتى إلى قربي وعلمني .

وأما في خطبة الجمعة فقال أهل العلم : للإمام أن يتكلم وللمأموم أن يتكلم معه لكن لا يقاطعه .

فمثلاً يقول الإمام عن حديث ما : رواه الترمذي .. فيقوم أحد المأمومين فيقول : لا ، أصله في الحاكم ، ورواه أبن ماجة بسند جيد وصححه الألباني ‍‍ فيلقى محاضرة في المسجد ‍‍‍‍‍!!

فهذا يؤدب ن ولكن له أن يرد عليه في قضية لها علاقة بالناس .

فالرسول ( صلى الله عليه وسلم ) لما دخل عليه سليك الغطفاني المسجد فجلس قطع ( صلى الله عليه وسلم) خطبته وقال : ( أصليت ؟) قال لا يا رسول الله .

قال : ( قم فصل ركعتين خفيفتين فأوجز )(2) .

لأن من الحاجة تعليم السنة في هذا المكان ، وهي من الواجب ، لأنه لو تركها ( صلى الله عليه وسلم ) لربما نسيها هو وربما ظن الناس جميعاً أن هذا إقرار على تركها .

ومنها : أن الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) رأى رجلاً يتخطى الرقاب وهو يخطب بالناس فقال : ( اجلس فقد آذيت )(1) .

المقصود أن للإمام أن يتكلم في الأمر بالمعروف أو القضايا التي تهم الناس ويمكن أن يفهمها الناس خطأ .

وللمأموم أن يتكلم في حالات كما في حديث أنس في الصحيحين أن أعرابياً دخل المسجد فقال : يا رسول الله جاع العيال وضاع المال وتقطعت السبل فادع الله أن يغيثنا .. فرفع ( صلى الله عليه وسلم ) يديه جواباً للأعرابي .

القضية الثالثة : التي في الحديث : حسن السؤال .

فيحسن المسلم السؤال .. بأن يسال فيما يهمه وما ينفعه والناس .

ولذلك قال العلماء : إن سؤال هذا الإعرابي دليل على عقله .. لأنه لم يفعل كما فعل أخوه الأعرابي الآخر الذي قالوا له : إن الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) يحدث الناس بالمسجد . قال : سوف اعلم هو يعلم الغيب أم لا؟ فذهب فأخذ ناقته فخرج بها من المدينة فربطها بوادي بضواحي المدينة من وديان المدينة ثم عاد ، وإذا برسول الله (صلى الله عليه وسلم) يحدث الناس ، فقاطعه في وسط الخطبة وقال:يا رسول الله أين ناقتي ؟وهل الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) مسؤول عنه وعن ناقته ، أو أنه يعلم الغيب .

فغضب ( صلى الله عليه وسلم ) حتى اشتد غضبه

قال عمر : رضينا بالله ربا وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً ، فسكت الإعرابي .

ويقول ابن عباس رضي الله عنهما : رضي الله عن أصحاب محمد ، ما كان أزكاهم لله سبحانه وتعالى أو أخشاهم لله ، ما سألوا الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) إلا عن مسائل معدودة في كتاب الله .

ومن حسن السؤال : أن تعرضه موجزاً على العالم وأن يتوخى به وقت الرضى ما استطاع .. بأن يتحين الفرص التي يكون فيها العالم متهيأً للجواب .

القضية الخامسة : التي تستفاد من الحديث : الاهتمام بالأسئلة .

فإنه قد لا تفهم القضية من عرضها على الناس ن وإنما تفهم بالسؤال ، ولذلك لم يترك ( صلى الله عليه وسلم ) السائل بل لما انتهى قال ( أين أراه السائل ) .

        وفي جواب الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) : ( إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة ) حسن التفات .. وهو ما يسمى عند البلاغيين بأسلوب الحكيم أو جواب الحكيم ، وهو صرف السائل عن الجواب الذي لا يهمه معرفته إلى ما يهمه معرفته .. فقد سأله الإعرابي عن الوقت الزمني فصرفه إلى ما يهمه .. وهو أن يهتم بدينه وخلقه .. فلا يضيع الأمانة .

        وهو كجواب الله تعالى لقريش لما سألوا عن حجم الأهلة فقال ( يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ )(البقرة: من الآية189) .

قال أهل العلم : من علامات الساعة المتحققة في الناس أن يضيعوا الأمانة .

وقال الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي رحمة الله :

وإن مـن عــلامــات القـــيـامـة

إضــاعــة الأمـــة للأمـــــانـة

حتى يصبح الناس يتحدثون بأن في بني فلان رجلاً أميناً .. أي أن غيره ليس بأمين .

·        عن أبن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ( إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها ، وإنها مثل المسلم فحدثوني ما هي ؟ ) فوقع الناس في شجرة البوادي .

قال عبد الله ـ يعني أبن عمر ـ فوقع في نفسي أنها النخلة فاستحييت .

ثم قالوا : حدثنا ما هي يا رسول الله .

قال :   ( هي النخلة ) .

وقد بوب البخاري للحديث : بعرض الإمام المسألة على الناس ليختبر ذكاءهم .

بداية الحديث أنه ( صلى الله عليه وسلم ) أتي بجمار وهو قلب النخلة وهو شيء أبيض يؤكل .

فابن عمر لمح هذا الجمار الذي وضع عند الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ، وأما بقية الصحابة فما رأوه أو أنهم رأوه ولكنهم نسوه .. فلما جلسوا وسكتوا ومضى شيء من الوقت التفت إليهم وقال : ( إن من الشجر شجرة مثلها مثل المسلم حدثوني ما هي ) ؟

قال ابن عمر : ووقع في نفسي أنها النخلة .

قال الحفاظ : فهم من الجمار الذي أتي به إلى الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) أنها النخلة . فقال ابن عمر: فاستحييت أن أتكلم ، أي بين يدي أبي بكر وعمر وعثمان وعلى ، تأدباً معهم أن يصيب ويخطئوا .

يؤخذ من هذا الحديث :

أولاً : فضل النخلة .

ورد حديث في البزار بسند جيد أن الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) قرأ ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ ) (إبراهيم: من الآية24) فقال : ( أتدرون ما هي ؟ )

قالوا : لا يا رسول الله .

قال : ( هي النخلة )(1) .

ووجه الشبه بين المسلم والنخلة في أمور قالها أهل العلم :

 

ثبات الأصل : فالنخلة ثابتة الأصل ، والمؤمن كذلك ثابت الأصل تعاليمه سماوية من الله عز وجل ، لا يأخذ تعاليمه من البشر ولا من أفكار البشر ولا من خرافات البشر ، فهو ثابت في الأرض ن لأن مبدأه  ثابت يعتمد على لا إله إلا الله ، يعتمد على قرآن من الله سبحانه وتعالى ، ويعتمد على سنة من المعصوم ( صلى الله عليه وسلم ) الذي لا ينطق عن الهوى .

2ـ كثرة المنافع : يقول أهل العلم يؤخذ من طلع النخلة بسر وبلح ورطب وتمر ، ويؤخذ من سعفها الحصير والمكانس والبسط والفرش ، ويؤخذ من جذوعها السقف المعروف ، فالمؤمن كذلك منافعه أكثر من أن تحصى .

3ـ ارتفاع القامة وعلو الهمة في النخلة : مثلها مثل المسلم .

أما ترى النخلة في ارتفاعها المفرط ، ولذلك إذا هب الإعصار لا يأتي إلا للنخلة .. ولذلك الأعاصير لا ترمي إلا أعالي الشجر فالمسلم همته عالية دائماً يفكر في أعالي الأمور .. يفكر دائماً في الجنة ويفكر فيما يشعر به من الله . فهمته كهمة النخلة ، أو علو النخلة وثبات النخلة .

        ولذلك أنزل الله تعالى قوله وتعالى : ( وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ) (قّ:10) قال بعض الأعراب : صليت المغرب مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فسمعته يقرأ : ( وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ) (قّ:10) والله ما علمت ماذا قرأ بعدها وقفت عندها أفكر .

ولذلك يقول الزمخشري في التفسير : وإنها لآية عجيبة حقاً أنظر لاختيار الكلمات ( وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ ) لم يقل طويلات بل باسقات ، جمع باسقة أي طويلة ، ومع طولها فقامتها ممتدة لأن بعض الناس طويل لكنه منحنى مكسور الظهر .

4ـ ومن وجه الشبه بين المسلم وبين النخلة : دوام الاخضرار .. يقولون : أن النخلة في الشتاء لا تسقط ورقها ، وكذلك المؤمن على كلمة واحدة لا تتغير .

يقول الحسـن البصري رحمة الله عن المؤمن ، تلقاه العام بعد العام وهو على كلمة واحدة ، وعلى نية واحدة ، وعلى عمل واحد ، أما المنافق فيتلون .

5ـ ومن الطائف التي يقولها الغزالي في الإحياء : ( أن وجه الشبه بين المؤمن وبين النخلة أن المؤمن إذا آذيته رد عليك رداً جميلاً ، والنخلة إذا رجمتها بالحجر ردت عليك رطباً ).

ورأيت في ترجمة عيسى عليه السلام في بعض الكتب أنه كلمه رجل فسبه وشتمه .

فقال : سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين .

قال الحواريون : نبي الله ، كيف يتكلم عليك وترد هذا الرد ؟

قال : كل ينفق من ما عنده . إن مثلي ومثلكم يا أيها الحواريون كالنخلة إذا رجمت بالحجارة ألقت على من رجمها رطباً .

والقضية الثانية التي تؤخذ من الحديث : اختلاف الناس في الفهم .

فالله سبحانه وتعالى جعل أفهام الناس تتفاوت حتى يكون بين الناس كما بين السماء والأرض ، ولا تظن أن فضل الناس عند الله سبحانه وتعالى على حسب الذكاء .

لا .. بل الذكاء والنباهة وسائل دنيوية قد يستخدمها الإنسان في طاعة الله ، وقد يستخدمها الإنسان في المعصية ، لكن الميزة عند الله هي التقوى . ولذلك الذين اكتشفوا القنبلة الذرية هم من أذكياء الناس بلا شك لكنهم كانوا كفاراً .

والفضل ليس بالسن أحياناً ولذلك يقول ابن عباس في الصحيح :

( كان عمر يقدمني مع أشياخ بدر يستشيرني معهم )

فقال الصحابة من الكبار ك إن لنا أبناء مثل هذا ، فكيف تقدمه وتترك أبناءنا ؟

فلما علم عمر أنهم وجدوا في أنفسهم دعاني ودعاهم ، فعلمت أنه ما دعاني إلا ليريهم فضل عقلي أو فهمي، فقال لهم بعد أن اجتمعوا معه : ما تقولون في قوله تعالى : ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً) (النصر:3)  فسـكتوا إلا بعضهم تكلم فقال : هذا معناه أن الله عز وجل يأمر الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) الذي فتح الله عليه ونصره بالاستغفار والتسبيح .

قال : وأنت يا أبن عباس .

قال : اخبره الله بأجله وأنه اقترب .

فتبسم عمر فقال : والله ما أعلم منها إلا ما تعلم منها أنت(1) .

فأقر الصحابة له بالعلم والفضل .

القضية الثالثة : طرح الأسئلة على المتعلمين .

وأخذت من هذا الحديث ، لأن الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) طرح السؤال على الجميع ليكون أشوق لهم للإجابة .

القضية الرابعة : أن على المسلم أو على الداعية أن يضرب الأمثال للناس فإن الله عز وجل ضرب القصص والأمثال للناس ليتفكروا ويتدبروا ( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ) (إبراهيم: من الآية24) ، ( مَثَلاً مَا بَعُوضَة ) (البقرة: من الآية26).

ثم ضرب الله سبحانه وتعالى المثل بالذباب وضرب سبحانه وتعالى المثل بالعنكبوت ، فالمسلم أو الداعية أو العالم يضرب الأمثال للناس حتى يستفيدوا من ذلك .

·        يقول ابن عمر رضي الله عنهما وأرضاهما : تخلفنا عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في سفرة سافرناها ، فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة ونحن نتوضأ ، فجعلنا نمسح على أرجلنا ، فنادى بأعلى صوته : ( ويل للأعقاب من النار ) مرتين أو ثلاثة .

بوب البخاري رحمة الله عليه ( باب من رفع صوته بالعلم ) .

والذي نأخذه من هذا الحديث ملاحقة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) لأصحابه بالتربية والتعليم في كل شأن .

قيل لسلمان : علمكم نبيكم ( صلى الله عليه وسلم ) كل شيء .

قال : والله ما ترك من شيء حتى ما من طائر يطير بجناحيه إلا أعطانا منه خبراً ز

ولذلك يقول ابن تيمية رحمة الله : لابد للمسلم أن يولد في الإسلام ولادتين ، مرة يوم أتت به أمه ، ومرة يولد بهذه الشريعة .

ويؤخذ من الحديث : فضل الاستعداد للعبادة .

كالصلاة مثلاً ، لأنك إذا استعددت لها لم تترك شيئاً من فضائلها فضلاً عن واجباتها .

أما إذا أرهقتك وتأخرت عنها فإنك ستعجل بالحركة والذهاب فتضيع شيئاً من واجباتها فضلاً عن سننها .

ولذلك نبه الرسول( صلى الله عليه وسلم ) الصحابة إلى الاهتمام بوضوئهم لئلا ينسوا شيئاً لاستعجالهم ، وهم معذورون لأنهم في سفر شاق .

وقوله : فجعلنا نمسح على أرجلنا .. أي نغسلها بالماء .. وليس معناه مسح الرجل دون غسلها كما فهمه الشيعة .

والعجيب أنهم أنكروا المسح الثابت في السنة وهو المسح على الخفين ، وقالوا بمسح الرجلين وهذا دليل غبائهم .

وعلمنا أنه غسل لا مسح لقوله ( صلى الله عليه وسلم ): ( ويل للأعقاب من النار ) فلو كان مسحاً لاكتفى به دون أن يغسل أو يمسح عقبيه .

وفي الحديث من الفوائد : رفع الصوت بالعلم إذا لم يستطاع إلا به . فواقع الحال اقتضاه لأنهم بعيدون عنه ( صلى الله عليه وسلم ) ، ولأنهم أخلوا بمسالة من المسائل الواضحة .

وفيه تكرار العلم لأنه ( صلى الله عليه وسلم ) أعاد قوله : ( ويل للأعقاب ) ثلاث مرات . ولذلك يقول أحدهم :

كــرّر العـــلم يا جـميــل المحــيّا

وتدبـــره فالمـــكرر أحــــــــلى

فعشرون كتاباً مع الضبط والفهم خير من مئات الكتب مع عدم الفهم .

والله أعلم ، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

العلم بين يدي العالم والمتعلم

 

الحمد لله حمداً خيراً مما نقول .. وفوق ما نقول .. ومثل ما نقول .

والصلاة والسلام على من بعثه الله فهدى به الإنسانية ، وزعزع به كيان الوثنية ، وأنار به معالم البشرية .

أما بعد ..

فيا أيها الأخوة .. كنا أمة عربية أمية لا نعرف شيئاً .

رعاة غنم ، ورعاة أبل ، ورعاة بقر .

فقد كنا أمة بلا معرفة ، أمة بلا ثقافة ، أمة بلا حضارة ، حتى أتى محمد ( صلى الله عليه وسلم) فأحيا به الله القلوب .

تـاريـخــنـا مـن رســول الله مـبـدأه

ومــا عــــداه فـلا ذكـــر ولا شـــأن

( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (الجمعة:2).

كان للرومان حضارة .. ولفارس ثقافة .ز وللهنود معرفة .. أما نحن في الجزيرة .. فلا ثقافة ولا حضارة ولا معرفة .. فجاء ( صلى الله عليه وسلم ) فسكب فينا روح لا إله إلا الله .. فاستيقظنا من نومنا وسباتنا العميق .

إن الـبريــــــة يــوم مـبعث أحــــمد

نظــــــر الإلـه لها فــبــدل حــــالــها

بل كــــرم الإنـســـــان حـين أخــتار

مـن خــــيـر البــريـة نجـــمـها وهــلالها

لبـس المــــوقـــــع وهو قــائد أمــة

جــبــت الكــــنـوز فـكـســـرت أغــلالها

لـمـا رآهــــا الله تـمــــشـي نحــوه

لا تـبـتـغـي إلا رضـــــاه ســـعـى لــهــا

 

وبعد خمس وعشرون سنة من مبعثه يخطب خطيبنا في نواحي السند وعلى ضفاف دجلة والفرات .

بعد خمس وعشرون سنة يكون لنا منتدى في العالم وشعراء وأدباء ، لأننا أمة الإيمان والحب والطموح والعلم .

 

·       العلم في القرآن :

ثم أتي القرآن فأخبرنا : ما هو فضل العلم ؟ وكيف نكون علماء ؟

فالله يريد أن يستشهد على جلالته وعظمته ووحدانيته فبمن يستشهد ؟

قال سبحانه وتعالى : ( شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (آل عمران:18) ، فانظر كيف استشهد العلماء وطلبة العلم على أعظم شهادة في الدنيا .

وقال سبحانه : ( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ )(المجادلة: من الآية11)، فهل يستوي عالم متعلم وجاهل بليد ؟ .. لا والله لا في العقل ولا في الحس ولا في النقل ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) (الزمر: من الآية9).

أرأيت إلى الكلب .. هو كلب .. ويكفي في تعريفه أنه كلب .. والمعارف لا تعرف ! لكن جعل الله الكلب في القرآن على قسمين : كلب معلم فصيده حلال .. وكلب جاهل ، فصيده حرام ! قال تعالى : ( مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ) (المائدة: من الآية4).

أرأيت إلى الهدهد .. هذا الطائر الذي يفتخر بالعلم .. وهل سمعتم بهدهد يفتخر بالعلم ؟ إن سمعتم بذلك فهو في سورة النمل .. أتى إلى سليمان عليه السلام فقال له : ( وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ)(النمل: من الآية22)  ثم ألقى عليه محاضرة في التوحيد والعقيدة .. قال ( إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ )(النمل: من الآية24) .

وقال الله سبحانه وتعالى لرسوله ( صلى الله عليه وسلم ) يوم لم يطلب منه أن يتزود من الحطام ولا من المال ولا من العمار ولا من العقار ، قال له : ( وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً)(طـه: من الآية114).

هذا الرجل العظيم ( صلى الله عليه وسلم ) يسكن في بيت الطين ، ويجلس على التراب ويأكل خبز الشعير، ولكنه بث العلم في العالم ونشر المعرفة في المعمورة .

ويقول سبحانه وتعالى : ( وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ)(العنكبوت: من الآية43).

فهذا فضله في القرآن .. بل أفضل من ذلك كله .. أن الله سبحانه وتعالى جعل العلماء وطلبة العلم ورثة للأنبياء والرسل . لنقول للناس من هنا خاصة من مهبط الوحي ، انتشر الإسلام وانطلقت لا إله إلا الله . هذه رسالتكم وهذا الحديث معكم عن العلم وفضله ، فلا افضل من العلم ولا أجل من العلم . . يقول الأندلسي المربي أبو إسحاق وهو يوصي أبنه في طلب العلم وفضل العلم :

 

هو العــضــب المــهـنـد ليـس يـنـبـو

تـصــــيب بـه مــضـــارب من أردت

وكــــنـز لا تــخــاف عـــليه لصـاً

خــفــيـف الحـــمـل يوجـد حـيث كنت

يــزيـد بكــــثـرة الإنــفــاق مــنه

ويــنـقـص إن بــه كـــفـاً شـــددت

فــــبـادره وخـــذ بالــجـــد فــيه

فـإن أعــــطـاكــه الله انـتـفــعــت

والعلم هو الذي يطلب لوجه الله تبارك وتعالى .

فالسلف الصالح يوم طلبوا العلم طلبوه لوجه الله ، فآتى هذا العلم ثماره ونوره للبشرية .

الإمام أحمد يطوف بالدنيا فيدخل إلى خرا سان وإلى بغداد وإلى مصر وإلى الشام وإلى اليمن والجزيرة حتى يجمع أربعين ألف حديث . يقول : والله لقد كانت تمر على الليالي لا أجد كسرة الخبز من العيش .. أشتغل حصاداً ولقـاطاً .. لطلب العلم لوجه الله عز وجل .

سمع أن عبد الرزاق بن همام الصنعاني بصنعاء اليمن ، فسافر إليه من بغداد .. ومر في طريقة بمكة ليعتمر ثم يواصل سيره إلى صنعاء وإن طال السفر !

وفوجئ وهو يطوف بالبيت بعبد الرزاق يطوف .. فقال له أحد زملائه : هذا هو عبد الرزاق أتى به الله من اليمن فخذ الحديث منه .

قال : لا والله لا تكون هجرتي إلا لله عز وجل ، وقد قصدت صنعاء .. لن آخذ منه شيئاً حتى يعود إلى اليمن !

يقول ابنه عبد الله فيما صح عنه عند الذهبي : كان أبي يصلي في غير الفرائض ثلاثمائة ركعة .

وكان الإمام أحمد إذا دخل السوق ورآه الناس هللوا وكبروا وسبحوا لما رأوا الجلالة والمهابة والإيمان والتقوى .

ولذلك كان علم السلف الصالح .. علم خشية وعلم تقوى وعلم عمل .. يقول ( صلى الله عليه وسلم ):( مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث أصاب أرضاً )(1) .

أنظر إلى الإشراق في التمثيل .. لم يقل المطر ن وغنما قال الغيث لثلاثة أسباب :

1.     لأن المطر أكثر ما يستخدم في القرآن للعذاب ( وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ)(الشعراء:173).

2.     لأن الغيث فيه غيث للقلوب .

3.     ولأن فيه صفاء .

( مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث أصاب أرضاً ، فكان منها أرض طيبة قبلت الماء فأنبتت العشب والكلأ الكثير ، وكان منا أرض أمسكت الماء فنفع الله به الناس فسقوا وزرعوا ، وكان منها أرض إنما هي قيعان لا تنبت كلأ ولا تمسك ماء ، فذلك مثل من نفعه الله بما بعثني به فعلم وعلم ) .

وهذه الأمة على هذه المستويات .. فرجل نفعه الله بالرسالة الخالدة فتعلم القرآن والسنة والحديث ، ونشر الخير والدعوة والفضل وأصبح مؤمناً ، فهذا هو الفاضل .

ورجل أخذ العلم لنفسه وإنقمع في بيته وأغلق عليه بابه ، فنفع نفسه فحسب .

ورجل عاش التمرد ، وعاش شهوة الفرج والبطن ، وعاش في الحياة بلا رسالة .

من المسؤول عن الأغنية الماجنة التي تهدم الجيل والشباب والقلوب ؟ من المسؤول عن المجلة الخليعة التي تحبب المرأة والكأس لأجيال الأمة وشباب الأمة ؟ إنه الذي يرفع رأساً بهذه الرسالة الخالدة .. إنه الذي لم يرضع لبان دعوة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) .

ولذلك نحن في حاجة إلى أن نتكلم للناس في الإيمان قبل العلم . لأن الله قال في القرآن ( وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْأِيمَانَ )(الروم: من الآية56) ، فلا علم بلا إيمان .

أتاتورك أتى إلى الأتراك ففصل الإيمان تماماً وسحق الإسلام مطلقاً ودمر المساجد وأتى بالعلمانية الكافرة ، فعبد العلم من دون الله تبارك وتعالى ، ولذلك يقول عز وجل من قائل في الكفر وأهله : ( يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) (الروم:7) ، ويقول عز وجل عنهم : ( بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ) (النمل:66) .

يقول كرسي مرسون في كتاب ( الإنسان لا يقوم وحده ) يا أيها الناس ، يا أهل المشرق ـ يعني يا أمة الإسلام ـ قدمنا لكم خدمة الإنسان للإنسان ـ يقصد الطائرة والصاروخ والثلاجة والبرادة ـ فقدموا لنا خدمة الروح للروح ـ يقصد لا إله إلا الله محمد رسول الله .

ويوم يأتي الإنسان ليعيش العلم بلا إيمان سوف يضل الأمة وسوف يذهب بالبلاد إلى الهاوية ن وسوف يخرب عمار الدنيا كل الدنيا .

فالصحفي إذا لم يؤمن بالله كتب بقلمه كلمات غير مسؤولة .. كلمات إلحاد .ز كلمات الزندقة .. كلمات الفاحشة .. ( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (النور:19) .

والشاعر يوم لا يؤمن بالله سوف يكون هامشاً لا يحمل رسالة ولذلك إنما تميز محمد إقبال على شعراء كثير ولو في بلاد الإسلام لأنه شاعر الإيمان والحب والطموح .. آمن بالله .. ولذلك فكلماته وقصائده تنبعث من القلب كأنها شعل ، أو كأنها قطرات من دمه على الأمة الإسلامية .. يقول وهو يخاطب الأمة بعد أن وصل إلى مكة ورأى الجبل الضائع :

أرى التـفـكــــيـر أدركــه خــــمــول

ولـم تـبـق العــــزائـم فـي اشــتـعـال

وأصــــبـح وعــــظـكـم مـن غـير نـور

ولا ســـحــر يـطـــل مـن المـــقـال

وعــنـد النــاس فــلـســـــفـة وفـــكر

ولــكــن أيـن تـفـــكــيـر الغــزالي

مــــــنـائـر عـــــلـت في كــل حـي

ولــكــن أي صـــــوت مــن بـــلال

 

أين الإسلام ؟ أي لا إله إلا الله ؟ أين الأمة التي امتطت موج البحر ومتن المحيطات تبلغ لا إله إلا الله ؟

عقبة بن نافع يقف بفرسه على شاطئ البحر الأطلنطي ويقول : والله الذي لا إله إلا هو .. لو أعلم أن وراءك أرضاً لخرجت بفرسي لأرفع لا إله إلا الله في تلك الأرض .

سعد بن أبي وقاص يقدم دمه يوم القادسية ويقول هو والصحابة اللهم خذ من دمائنا هذا اليوم حتى ترضى .

أحد الشهداء في العراق من المسلمين يقول :

فيـــا رب لا تـجــــعـل وفـاتـي إن أتـت

عـلى شــرجــع يـعــلى بـحـسـن المـطـارف

يقول أبو الحسن الندوي : قلب بلا إيمان ككتلة لحم .. كتلة لحم ميتة ولكنها ترمى في الزبالة ، وعين بلا إيمان مقلة عمياء ، ويد بلا إيمان يد خـاطئة آثمة ، وجيل بلا إيمان قطيع من الغنم .. وقصـيدة بلا إيمان كلام ملفق .. وكتاب بلا إيمان كلام مصفف .

ولذلك كثير من الدعاة في الساحة من القصصيين ومن الصحفيين ومن الشعراء .. ممن يكتب يضيعون الإيمان لأنهم جعلوا المعرفة شيئاً والإيمان شيئاً آخر .

فعلم بلا إيمان لا نطلبه ولا نريده .. لقد بلغ الكافر أكثر مما بلغنا .. ولكنا فقناة بالإيمان .

مــنـهم أخــذنا العـــود والســـجــارة

ومــا عــــرفـنـا نـنـتـج الطــــيـارة

اســـتـيــقـظـوا بالـجــد يــوم نمــنا

وبـلـغــوا الـفــضـــاء يــوم قــمــنا

والعلم النافع يورث الخشية ، قال سبحانه وتعالى :( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ )(فاطر: من الآية28) .. الخشية الخوف منه تبارك وتعالى ، الخشية أن تراقب الله بعلمك .. ومن ذهب إلى مدرسته وعاد إلى بيته فلم يزدد خشية من الله وبقى في مستواه وفي اقتراف المعاصي وتعدي الحدود وانتهاك الحرمات فإنه لم يزد علماً وإنما أوتي علماً سقيماً .. علماً مريضاً .. علماً لا خير فيه .

يقول وكيع في كتاب الزهد : قرأ ابن عمر ـ رضى الله عنه وأرضاه ـ سورة المطففين حتى بلغ قوله تبارك وتعالى : (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) (المطففين:6)  فبكى حتى أغمى عليه ورش بالماء .

وقال الذهبي في ترجمة ابن وهب : ألف كتاباً في أهوال يوم القيامة فقرئ عليه فأغمى عليه ثلاثة أيام ومات في اليوم الرابع !!

وأصل الخشية أن نكف عن المعاصي .. قال ابن تيمية : ( الخوف المطلوب في الإسلام أن يكفك عن المعصية وما زاد فلا يحتاج إليه ) .

فيا أخوتي في الله .. يا طلبة العلم .. هل آن لنا أن نخاف من الله الواحد الأحد .. ونخشاه في السر والعلن وأن نراقب الله في علمنا ، وإلا فلنعتقد اعتقاداً جازماً أنه علم غير نافع .. ونعوذ بالله من العلم الذي لا ينفع .

إذا ألـــقـــاك عـــــمـلـك في مــهــاوٍ

فـلــيـتـك ثـم ليـتـك مـا عـــلـمــت

يقول سبحانه وتعالى في بني إسرائيل :( فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ) (المائدة: من الآية13) ويقول في عالمهم ( باعوراء ) الذي طلب العلم ثم تركه وألحد في دين الله : ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (لأعراف:176)  .

فنعوذ بالله من المثل المشئوم على كل من فعل هذا ، أو زوال هذا أو فكر في هذا أو أراد هذا .

ويقول الله عز وجل في بني إسرائيل : ( كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً )(الجمعة: من الآية5) .

لعــمــرك مـا تــدري الضــوارب بالحــصـا

ولا زاجــــرات الـطـــيـر ما الله صـــانــع

ومهما تعلم الحمار وحمل من كتب فعقله لا يتغير .. ولذلك نعوذ بالله من هذا المثل .

أخوة الإسلام : اتفق العقلاء من المؤمنين والمسلمين أن من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم .

والله عز وجل يجعل من عمل الإنسان وجهده زيادة في الخير والفضل والنبل له .

والمعلم مهمته تدور على أربع قضايا :

الإخلاص ، والقدوة ، والقوة العلمية ، واللين .

 

1ـ الإخلاص : فنطالب به جميعاً أساتذة وطلاباً ، مفتين وعلماء ، ملوكاً وأمراء ، فكل مسؤول وكل مسلم يطالب بالإخلاص : ( أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِص) (الزمر: من الآية3) ، ( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) (البينة: من الآية5) .

( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى )(1) .

وقال ( صلى الله عليه وسلم ) ( من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله .. لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة ، وإن عرفها يوجد من مسيرة أربعين عاماً )(2) .

ويقول : ( من تعلم العلم ليجاري به العلماء ويماري به السفهاء فليتبوأ مقعده من النار )( 3) . وأول من تسعر بهم النار يوم القيامة .. منهم عالم تعلم العلم ليقال عالم ، فيسحب على وجهه فيلقى في النار . فنعوذ بالله من الشهرة لغير وجه الله .. ونعوذ بالله من الرياء والسمعة ( فمن راءى راءى الله به ، ومن سمع سمع الله به )(4) .

 

2ـ أما المسألة الثانية فهي القدوة :

قال شوقي :

قـــم للـمــعــلـم وفـه التــبــجـــيـلا

كـــاد المـــعــلــم أن يــكـــون رســـولا

 

نعم لأنه خليفة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) .

فيا خليفة المصطفى ( صلى الله عليه وسلم ) ، ( إن الأنبياء لم يورثوا دراهماً ولا ديناراً وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر )(1) ، وأنت الآن تحمل الميراث .. فالله الله في شباب الإسلام .. والله الله في جيل الإسلام .. والله الله في بلادنا وأمتنا وبيوتنا .. إنك أيها الأستاذ المسؤول عن هذا الجيل فقد عرضوا آذانهم وأسماعهم وأبصارهم وأياديهم يسمعون ماذا تقول ، جلسوا أمامك أمانة .. وضع المسلمون على الكراسي أفلاذ أكبادهم يسمعون منك وهم يتوجهون بأمرك .. فهل آن لك أن تكون قدوة تتكلم بما تفعل وتفعل بما تتكلم به ، (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (البقرة:44)  .

يا أيها الأستاذ ، إن العقلاء من التربويين حتى من غير المسلمين يقولون : إنك لن تعلم أحداً حتى تعمل بما تعلم .

والرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ما تكلم فحسب ، بل كان يقول للناس كونوا صادقين فيكون أصدق الناس .. كونوا بارين فيكون أبر الناس .. كونوا أوفياء فيكون أوفى الناس .. كونوا متقين فيكون أتقى الناس لربه تبارك وتعالى .

فيا أيها الأخوة الفضلاء ، ويا أيها الأساتذة النبلاء إن من يتكلم ثم يهدم ما تكلم بأفعاله إنه لا يحقق نتيجة لأبناء المسلمين .. إن ارتياحه في بيته افضل وأولى .. إنه يضحك على العلم .. وعلى رسالة العلم وعلى طلبة العلم .. كيف يأمرهم بالصلاة وهو لا يصلي ؟! كيف يأمرهم بهجر الغناء والمجلة الخليعة والأغنية الماجنة والسفه وهو سفيه مطبل مغن ماجن ؟ نعوذ بالله من ذلك .

3ـ المسألة الثالثة : أن يظهر الأستاذ أو المعلم بمظهر القوة العلمية ، لأن قوة الأستاذ عند جميع الأمم بما فيهم المسلمين هي في طريقة عرضه للمادة عرضاً متيناً جيداً مؤهلاً .. فحينها يحترمه الطلاب .. وحينها يجلونه .. لأنهم يجلسون أمام رجل يتكلم بجدارة .. أمام أستاذ له أصالة وعمق .. يتكلم وهو أدرى بمادته . ويتحدث من مركز القوة ، لذلك الأساتذة الذين يملكون قدرات في التحضير هم أهيب الناس عند الطلبة يحترمونهم ويقدرونهم ، والأستاذ الذي لا يحمل مادة ولا رسالة ولا تحضيراً هو من أخفض الناس في امتلاك القلوب وفي الهيمنة وفي التسلط المقبول على الطلبة .

4ـ أما المسألة الرابعة : فهي اللين واطراح الفظاظة .

فأقول للأستاذ : إن خبطاً ليس فيه حب مع الطالب لهو خيط مبتور ومقطوع ، وإن رسالة ليس فيها لين رسالة عصا وسوط ونار وحديد ، وهي تراث استالين وماركس ولينين ، وليست من تراث محمد ( صلى الله عليه وسلم ) .

يقول سبحانه وتعالى في المعلم الجليل : ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ )(آل عمران: من الآية159)

ويقول له : ( وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (لأنفال:63) .

ولذلك أقول لدعاة الإسلام ، ولأساتذة الإسلام ، ولعمداء الكليات في الإسلام .. إن رسالتنا لابد أن تحمل الإيمان والحب والطموح واللين للناس.. نحن لسنا مجرحين وإنما دعاة .. ولسنا قضاة وإنما نحكم على الناس بما ظهر لنا.

إن الكلمة اللينة طيبة تعشقها القلوب وتحبها النفوس .

أرأيتم فرعون شيخ الضلالة لقد أرسل الله له موسى فقال له وهو في الطريق : ( فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) (طـه:44) .

قال سفيان الثوري : القول اللين هو أن يكنياه بكنيته !

يقول سبحانه وتعالى للرسول ( صلى الله عليه وسلم ) (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم:4) ولهذا استطعت أن تقود القلوب .. ولهذا سبيت الأرواح .. ولهذا جعلت الأعداء أصدقاء .. لأنك داعية عملاق .

فيا أيها الأساتذة .. حبل اللين حبل عجيب .. فهو السحر الحلال .. إن كان في الإسلام سحر حلال فهي البسمة .

قيل لأحد العلماء ما هو السحر الحلال ؟

قال : تبسمك في وجه الرجال .

يأتي أعرابي فيرفع صوته على الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ، ويسحب بردته الشريفة من على جسمه الشريف .. ويقول : أعطني من مال الله الذي عندك لا من مال أبيك ولا مال أمك !!

فيلتفت إليه ( صلى الله عليه وسلم )  ويتبسم ويعطيه مالاً .. ويريد الصحابة قتل هذا الأعرابي فيقول : لا

فلما أكرمه .. قال : هل أحسنت إليك ؟

قال : نعم

فيعود هذا الأعرابي داعية إلى قبيلته فتسلم عن بكرة أبيها .

فيقول ( صلى الله عليه وسلم ) : ( أتدرون ما مثلي ومثلكم ومثل هذا الأعرابي

قالوا : ما ندري .

قال : ( كمثل رجل كانت له دابة ففرت منه .. فأتى الناس لحبسها ومسكها فما تزداد إلا فراراً .. فقال : يا أيها الناس دعوني ودابتي، أنا أبصر بها .. فأخذ شيئاً من خشاش الأرض وأخذ يلوح للدابة فأتت فحبسها )(1).

 

·       واجب المتعلم أو الطالب :

أما واجب الطالب مع الإخلاص .. فالمهمة العالية في الطلب .. وألا يرضى بالمقررات الدراسية دون غيرها .

هـمـة تـنـطـــح الثــريـا وعـــــزم

لـهــم دوي يـدركــــدك الأجـــــبـالا

فاجعل في مخيلتك أن تكون كابن تيمية مثلاً .

فإن الانهزامية ومركب النقص ما أتي إلا بعد الاستعمار ، فأصبحنا ننظر إلى ( الخواجة ) أنه رجل مقدس .. وأنه ذكي لامع .. وأنه عبقري لأنه خواجة .. أما نحن فعرب من الشرق الأوسط من الدول النامية لا نفهم ولا نعرف ولا نفقه .. سبحان الله فهل نحن إلا أمة الحضارة ؟ وهل نحن إلا أهل الذكاء والأصالة ؟

لكن عسى الله أن يعيد لنا مجدنا وسؤددنا لنكون للأمم سادة .

المسألة الثانية : احترام المعلم : فالمعلم هو الأب ، والمعلم هو الوالد الكبير .. والمعلم هو الجذوة المتوقدة التي أحرقت نفسها لتضيء لك .. والمعلم هو النبع الصافي الذي طالما شربت منه ورويت .

        فالله الله في احترام المعلم .. احترمه في اللين .. في الأسلوب .. في التساؤل وفي الحوار .. كما أمر سبحانه وتعالى أصحاب الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) مع الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) .. احترام المعلم أن تدعوه بأحب الألقاب إليه ، أن تشاركه الرأي ، أن تتركه يأخذ مجاله في الشرح والوقت .

احترام المعلم معناه أن تقدم السؤال في قالب طيب لين ، وفي قالب حب .

والخطأ لا يقر من أي أحد ، فالكمال لله والعصمة لرسوله ( صلى الله عليه وسلم )  فلك أن تناقش معلمك ولكن بأدب ووقار وسكينة .

ومما ينبغي على طالب العلم ألا يكدر علمه ويشوش علمه بالمعاصي .

أتدري ما الذي يهدم القلوب ؟

أتدري ما الذي يشتت الشعوب ؟

أتدري ما الذي ينكس المستقبل ؟ هي المعاصي .

يقول أحد السلف : نظرت نظرة لا تحل لي فقال لي أحد الصالحين : أتنظر للحرام ؟ والذي نفسي بيده ستجد غبّها ولو بعد حين .. أي نتيجتها .

قال : فنسيت القرآن بعد أربعين سنة !!

 

قال الشافعي :

شـــكــوت إلى وكــيـع ســـوء حــفـظـي

فـأرشـــدنـي إلى تــرك المــعــاصـي

وأخـــــبـرنـي بـأن العـــــلـم نـــور

ونـــور الله لا يــهـــدي لـعــــاصـي

هذا العلم نور لطيف شفاف .. أدنى شيء يؤثر فيه .. أدنى شيء يدنسه ويرديه ، فنعوذ بالله من علم لا ينفع .. والمعاصي تكدر المستقبل وتطفئ المعرفة والذكاء ، فإياك وإياها .

والله أعلم ، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ولكن كـونوا ربانيين 

 

الحمد لله القائل ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (ا4)  عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) (العلق:5)  .

والصلاة والسلام على رسول الله القائل : ( من يرد الله به خيراً يفقه في الدين )(1) .

وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً .

أما بعد :

عباد الله غداً يبدأ العام الدراسي وغداً تفتح الجامعات والمعاهد والمدارس أبوابها .

وغداً يخرج شبابنا وكريماتنا لتلقي العلم النافع .

وغداً تسهل السنة الدراسية يومها الأول .

والسؤال : ما هو موقفنا من العلم ؟ وما هو العلم الذي نريده ؟ وما هو واجب العلم علينا ؟ وما هو مسؤولية الأساتذة الأخيار والمعلمين الأبرار تجاه شباب الأمة وكريمات الأمة ؟

أيها الأبرار ، لقد مدح الله العلم وأثنى على العلماء وبجلهم وذكرهم في كثير من الآيات .

يقول الله سبحانه وتعالى لرسوله في أول طرق الدعوة وخطواتها:( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ) (محمد: من الآية19) فقبل أن تبدأ في الدعوة ، وقبل أن تبدأ في الحياة ، وقبل أن تبدأ في المسيرة ، عليك بطلب العلم ( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّه) ، فأملأ قلبك بالإيمان واملأ جوارحك باليقين .

وقال الله له ممتناً عليه يوم أن أخرجه من بين جبال مكة و وهادها وشعابها فعلمه الله وفهمه : ( وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً) (النساء: من الآية113) ، فالله الذي علمك .

والله هو الذي فقهك

والله هو الذي نور بصيرتك .

واستشهد الله العلماء وطلبة العلم على أكبر شهادة في الدنيا ، وعلى أكبر شهادة عرفتها الإنسانية ، وهي شهادة التوحيد فقال عز من قائل : ( شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (آل عمران:18) ، فانظر كيف جعلهم الله شهداء على وحدانيته وشهداء على ألوهيته لعظم قدرهم .

ووصف الله طلبة العلم بأنهم يخشونه تبارك وتعالى ، وأنهم يقفون عند حدوده ، وبأنهم لا ينتهكون حرماته، وبأنهم يراقبونه في السر والعلن فقال : ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ) (فاطر: من الآية28) .

ووصف الله طلبة العلم بأن عندهم من الفهم للدعوة والفهم للفكر في الدين والاستنباط للنصوص الشيء الكبير فقال : ( وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ) (العنكبوت: من الآية43) . فهذه الرسالة الخالدة ، وهذه المبادئ الأصيلة ، وهذه الأهداف الجليلة لا يعقلها إلا من يفهم عن الله أمره ونهيه .

ولم يأمر الله رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) بالتزود من شيء إلا من العلم فقال له ( وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً)(طـه: من الآية114) .

والله عز وجل حكم بين طلبة العلم وبين غيرهم فقال : ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُون) (الزمر: من الآية9) ، وسكت عن الجواب للعلم به .

وقال سبحانه وتعالى : ( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات)(المجادلة: من الآية11) .

أيها المسلمون :

إن العلم ليس في حفظ النصوص .. فمن الناس من يحفظ القرآن ولكنه فاجر يلعنه القرآن وتلعنه السنة .

ومن الناس من يردد الكلمات ولكن قلبه ما عرف الله ، فالعلم هو خشية الله .. والعمل بما تعلمت .

أيها المسلمون .. لقد أتي ( صلى الله عليه وسلم ) إلى هذه الأمة الضائعة .. الأمة الضالة .. الأمة المسكينة فهداها إلى الله : (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (الجمعة:2)  .

لكن كيف علمهم ؟

أعلمهم بالسوط والسيف ؟

أعلمهم بالحبس والسجن ؟

أعلمهم بالحديد والنار ؟

لا والله ( وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ )(آل عمران: من الآية159) ، أي لو كنت قاسياً في تعليمك لما اجتمعت عليك القلوب .

ولكنه كان كما قال الله :( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ)(آل عمران:من الآية159) وقال عنه أنه:( بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) (التوبة: من الآية128) ، وقال عنه : ( وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم:4)  .

لقد أتيت أيها المصطفى إلى العرب الذين هم كقرن الثور يتقاتلون على موارد الشاة ومربط الناقة ، فأتيت بالخلق وبالبسمة واللين وبالرفق ، فانقادت لك القلوب ، فحررتها من وثنيتها وشركيتها وقدتها إلى الله .

إن الدعة الذين يحاولون اليوم أن يصلحوا بالتجريح والعنف وبالتعريض بالناس ، وبالنقد لبعض العلماء الذين لهم زلات انغمرت في بحار حسناتهم ، إن هؤلاء لا يفقهون ولا يعلمون وهم يفسدون أكثر مما يصلحون ، وسوف يعلمون النتيجة لاحقاً لأنهم لم يعملوا كما عمل ( صلى الله عليه وسلم ) والرسل قبله .

لقد أرسل الله موسى إلى فرعون المجرم فقال تعالى لموسى وهارون : ( فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) (طـه:44)  .

قال سفيان الثوري : القول اللين أن ينادياه بالكنية !

ويقول الله لرسولنا ( صلى الله عليه وسلم ) ( وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (لأنفال:63) ، إنها لمعجزة كبرى .. فكيف الفت بين تلكم القبائل المتشاحنة حتى أصبحوا إخواناً متحابين متصافين متقاربين ؟ إنها الحكمة افتقدها كثير منا هذا الزمان ، فلذلك تنافرنا وتشتتنا.

أفلا يأخذ الأساتذة الأخيار ، المعلمون الأبرار ، درساً من هذا الأسلوب الراقي في تعليم الشباب المسلمين ؟

لقد أخطأ كثير من الأساتذة والمدرسين يوم استخدموا السوط والعنف في تعليم أبناء المسلمين ، لأن العنف لا يولد إلا عنفاً ولأن البغض لا يأتي إلا ببغض .

يقول ( صلى الله عليه وسلم ) : ( ما كان الرفق في شيء إلا زانه ، وما نزع من شيء إلا شانه ) رواه مسلم .

فالجمل إذا رأى منك صلفاً ورأى منك حدة قطع حباله وغضب عليك فكيف بالأجيال وكيف بأبناء المسلمين؟

والرسول ( صلى الله عليه وسلم ) كان في تعليمه يخاطب الناس على قدر عقولهم فأستاذ الابتدائي ليس كأستاذ الجامعة ، لأن لكل مستوى دراسي حقائق ومعلومات ولغات يفهمها .

في صحيح البخاري أنه ( صلى الله عليه وسلم ) سمع أن أحد أطفال المسلمين كان له طائر أسمه(النغر) يلعب به فمات الطائر، فأراد ( صلى الله عليه وسلم) أن يواسي أحزانه فذهب غليه في بيته وأظهر له الأسى (صلى الله عليه وسلم ) وقال : يا أبا عمير ما فعل النغير .

قال أهل العلم : فيه درس عظيم على أن الناس يخاطبون على قدر عقولهم ، وأن المعلومات تصلهم على قدر العقول .

وكان ( صلى الله عليه وسلم ) إذا تكلم في الأعراب خاطبهم بكلام يفهمونه على قدر مستواهم وعلى ما تطلبه فهومهم ، فإذا أتى إلى أبي بكر وعمر وعثمان وجلة الصحابة كلمهم في القضايا الكبرى .

 

·       طرقه ( صلى الله عليه وسلم ) في التعليم :

وكان ( صلى الله عليه وسلم ) في التعليم ينهج طرقاً شتى ، منها :

1ـ التعليم بالقدوة في نفسه ، فو الله ما قال كلمة إلا عمل بها ، و والله  ما دعى الناس إلى خير إلا كان أول من يفعله .. فيدعو إلى الصدق وهو أول الصادقين ويدعو إلى الصلاة وهو يصلى ، ويدعو إلى الخشية وهو يخشى الله .

أما الذي يدعو وهو كاذب فلن يجعل الله في دعوته خيراً ، ولن يكون لها تأثير في القلوب .

فتجد الواحد منهم يدعو إلى بر الوالدين وهو يعق والديه ن ويدعو إلى صلة الرحم وهو يقطع رحمه ، فلا يجعل لكلامه نور ولا لدعوته تأثير ، (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (البقرة:44) .

2ـ وكان ( صلى الله عليه وسلم ) يربي الصحابة بالتطبيق العلمي ، فإذا أرد أن يعلم الناس الصلاة قام فصلى أمامهم ليفهموا عنه . والتطبيق العلمي يعدل آلاف المحاضرات الشفهية .

في الصحيحين عن سهل بن سعد الساعدي أن الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) قام على المنبر فقال : ( يا أيها الناس صلوا كما رأيتموني أصلي ) ، ثم قام فصلى لهم ، فأراهم كيف يركعون وكيف يسجدون وكيف يخشعون وكيف يسبحون .

        3ـ وكان ( صلى الله عليه وسلم ) يضرب الأمثال المذهلة التي تبقي في الأذهان فلا تزول .

أراد أن يصف لهم الصلوات الخمس فماذا عسى أن يقول ؟

قال : ( أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات أيبقى من درنه شيء ؟ )

قالوا : لا يا رسول الله .

قال : ( فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بها الخطايا )(1) .

وهكذا ضرب لهم أمثلة كثيرة لا تحصى .. بقيت في أذهانهم وعقولهم .

أيها الأخيار ، إنني أدعو كل معلم وأستاذ أن يتقي الله في أجيال المسلمين وأن يخلص النية وأن يصدق مع الله عز وجل في تعليم شباب المسلمين ، ولا يظن أنها مجرد وظيفة واستلام راتب .. لا والله ، فالأمر أعظم من ذلك .. الأمر رسالة خالدة واتباع للرسول ( صلى الله عليه وسلم ) .

إن المعلم كاد أن يكون نبياً من الأنبياء فإن اتباع الرسل عليهم الصلاة والسلام وورثة الأنبياء هم الدعاة والأساتذة والمعلمون .

فأدعو كل أستاذ أن يكون مربياً وأن يكون متقياً لله ، وأن يعلم أن هذه البلاد تختلف تماماً عن بلاد المسلمين في التعليم والتوجيه .

فنحن لسنا كفرنسا ولا أمريكا ولا الصين .. نحن في مهبط الوحي وفي قبلة المسلمين وفي بلد الحرمين .

نحن في بلاد انبعثت منها لا إله إلا الله ن وانطلقت منها الدعوة الخالدة ، وسرحت منها الكتائب التي فتحت بلاد الدنيا .

فعلمنا يصل إلى الله عز وجل ويأخذ من فوق سبع سماوات .

فيا أيها الأستاذ مهما كان تخصصك ، تاريخاً كان أو جغرافيا أو رياضيات أو تربية أو علم نفس .. أنت من المأجورين المشكورين في الإسلام إذا جعلت هذه المادة مادة عبادة ، ومادة تصل الشـباب بربهم سبحانه وتعالى .

وهذه الجامعات ، وهذه المعاهد ، وهذه المدارس ، ما أقيمت إلا لتقودكم إلى جنة عرضها السماوات والأرض .

وإني أحذركم أن تكونوا كبني إسرائيل الذين تعلموا العلم ولم يعملوا به ، فشبههم الله بالحمار الذي يحمل أسفار العلم ولا يدري ما فيها ( كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً ) (الجمعة: من الآية5) .

فإن العلم إنما هو بالعمل .. وإلا فإنه سيصبح علماً ممجوجاً لا أثر له في عالم الواقع ولا نفع منه للإنسان .

أسأل الله أن يجعل هذا العام والأعوام القادمة أعواماً حافلة بالخير والنعم للمسلمين في مل مكان .

وأن يوفق أبناء المسلمين في مجالاتهم العلمية .

والله أعلم ، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

نفع العلم ورفعه

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد آله وصحبه أجمعين .

أما بعد ..

قال البخاري رحمة الله : (باب) فضل من علم وعلّم : عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال : ( مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ ، كذلك مثل من فقه ونفعه ما نفعني الله به فعلم وعلم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به ) .

قبل أن نذكر شيئاً من سيرة أبي موسى الراوي رضي اله عنه وأرضاه نأخذ مجمل الحديث .

مجمل الحديث يقول أبو موسى رضى الله عنه وأرضاه يقول الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) : ( مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم ) الهدى هو العمل الصالح ، والعلم هو الذكر الحكيم ، فذاك الهدى والعمل الصالح وهذا العلم .

ذاك في العمليات ، وهذا في الأقوال .

يقول ( صلى الله عليه وسلم ) : مثل هذه الثروة التي بعثني الله بها وشرفني بها لإنقاذ الناس وتفهيم الناس ، كمثل الغيث ولم يقل المطر ، لماذا ؟ لأن المطر استخدم في القرآن للعذاب : ( وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ) (الشعراء:173) .

ولكن الغيث استخدام للرحمة ، قال ( صلى الله عليه وسلم ) : ( مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث ) .

والجامع بين العلم والغيث يقول القرطبي : هو الأحياء ، فإن العلم يحي القلوب والغيث يحي الأرض ، يقول سبحانه وتعالى : ( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ )(الحديد: من الآية16)، ثم قال سبحانه في الآية الثانية : ( اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا )(الحديد: من الآية17) .

يقول : لا تيأسوا من روح الله ولا من رحمة الله ، فما دام أن الله يحيي الأرض وقد ماتت ، فهو كذلك قادر على إحياء قلوبكم .

( إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ)(يوسف: من الآية87)

قوله : ( كمثل الغيث أصاب أرضاً ) أرضاً على التنكير ليشمل الأرض التي سوف يقسمها ( صلى الله عليه وسلم ) .

وقد انقسم الناس في رسالته أو في مواجهة رسالته ثلاثة أقسام :

1.     قسم في الدرجة الممتازة ، وهؤلاء أرفع درجة ، وهم ورثة الأنبياء والرسل والذين تلقوا العلم فحفظوه وعلموه وعملوا به وعلموه للناس . فهؤلاء في أحسن المنازل عند الله ، تستغفر لهم حتى الحيتان في البحر وتضع الملائكة أجنحتها لهم .

2.     وقسم في منزلة طيبة وعظيمة وكبيرة ، وهم الذين تفقهوا في الدين لأنفسهم لكن ما نشروا ما عندهم على الناس ، وما تعلموا من أجل الناس ، فهؤلاء محمودون مشكورون مأجورون عند الله .

3.     وقسم آخر لم يرفع بهذا الهدى وبهذا العلم رأساً ، ولم يتعلمه ولم يعلمه ، فهؤلاء أحط الأقسام وأدناها منزلة .

وابن حجر يرى أن هذا الصنف أيضاً من أمة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) لأنهم يؤدون الفرائض مع المسلمين في الجملة ، ولكنهم ما تقبلوا الفقه في الدين ، وما حافظوا على السنن ، وما راجعوا النصوص ، وما استنبطوا منها ، وما رفعوا رؤوسهم إلى هذا النور الذي أتى به محمد ( صلى الله عليه وسلم ) .

والقرطبي كأنه يميل إلى أن هذا القسم الثالث ليس من الأمة .

وكأن هذا هو الصحيح ، فإن هؤلاء ما رفعوا للإسلام رأساً فهم الكفرة .

أما أبو موسى الأشعرى فهو أحد الصحابة الأجلاء ومن القراء الكبار . أسلم متأخراً رضي الله عنه ، وقدم على الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) مع وفد الحبشة الذين هاجروا إلى الحبشة .

والصحيح أنه لم يهاجر هو إلى الحبشة ، ولكن أتى من اليمن في سفينة يريد أن ينزل عند شاطئ البحر عند مر الظهران فيأتي المدينة ، فضاعت بهم السفينة وضلوا حتى نزلت بهم في الحبشة ، فوافق جعفر والصحابة المهاجرين للحبشة فأتوا جميعاً إلى الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) .

وقدموا والرسول ( صلى الله عليه وسلم ) يفتح خيبر .

وقد حفظ أبو موسى كثيراً من القرآن ، ورزقه الله صوتاً حسناً كان كمزمار من مزامير آل داود ، يأسر القلوب والأرواح ويبكي العيون .

يقول عمر : إذا آنست من نفسي قسوة أو من الصحابة اجتمعنا وقلنا : ذكرنا ربنا يا أبا موسى .

فيندفع يقرأ عليهم بصوته من آيات الله ، بصوته الشجي ، فيبكي عمر حتى يسمع لصوته نشيج رضي الله عنه ، ويبكي الصحابة .

وفي الصحيح أن الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) قام ذات ليلة فسـمع أبا موسى يقرأ في المسجد ويتهجد، فقام ( صلى الله عليه وسلم ) من حرارة تأثره بهذا القرآن ومن محبته لمعايشة هذا الذكر الحكيم فوضع نفسه وجسمه على نافذة المسجد وأخذ ينصت إلى قراءة أبي موسى .

فلما أصبح الصباح لقيه ( صلى الله عليه وسلم ) ولم يكن يدري أبو موسى أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) استمع له ، فقال له ( صلى الله عليه وسلم ) : ( لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود ، لو رأيتني البارحة وأنا أستمع إليك ) .

فيقول أبو موسى : يا رسول اله أكنت تسمع إلى البارحة ؟

قال : ( إي والله )

قال : والله لو كنت أعلم أنك تستمع إلى لحبرته لك تحبيراً (1) .

أي كنت جملته تجميلاً ، وحسنته تحسيناً ، وجعلته أكثر تأثيراً ، لأني علمن أنك تستمع لي .

قال الإمام مالك : يؤخذ من هذا الحديث جواز بعض التكلف للمصلحة .

ويا له من فهم مشرق ! ويا له من روعة في هذا الفهم !

فيجوز للخطيب مثلاً أن ينمق كلامه ليؤثر في الناس ، ويجوز للداعية أن يستخدم الأدبيات في كلامه لأن من الكلام ما يؤثر على القلوب أكثر من غيره ويجوز للقارئ في الصلاة أن يحسن صوته ليؤثر في الناس .

وهذا مأخوذ من قوله لو علمت أنك تستمع إلى لحبرته لك تحبيراً.

عاش أبو موسى رضي الله عنه على الوفاء وعلى الصدق مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) .

يقول أبو موسى : قتل أخي أبو عامر فأتيت الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) فقلت : يا رسول الله قتل أخي في المعركة فادع الله له .

فقام فتوضأ ( صلى الله عليه وسلم ) واستقبل القبلة ورفع يديه وقال : ( اللهم أغفر لأبي عامر ، اللهم أغفر لأبي عامر ، اللهم أغفر لأبي عامر  ) .

فقال أبو موسى : وأنا يا رسول الله !

ما دام أن المغفرة سوف تحصل إن شاء الله فأدخلي مع أخي سوياً .

فقال ( صلى الله عليه وسلم ) وهو يتبسم ويدعو : ( واغفر لأبي موسى ، واغفر لأبي موسى واغفر لأبي موسى )(2) .

أمره عمر رضي الله عنه على الكوفة ، فكان أميراً داعياً لله عز وجل .

يقول أحد التابعين : صليت معه المغرب فقرأ : (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) (الكافرون:1) و ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) (الإخلاص:1)  ، فو الله الذي نفسي بيده ما سمعت صنجاً ولا ناياً ولا وتراً أجمل من صوته .

سئل على عن علم أبي موسى فقال : صبغ في العلم صبغة ثم أخرج منه .

يعني الصبغة فيه كافية ليبلغ هذا العلم لله عز وجل .

قوله : ( فكان منها نقية ...) ، هذه هي الطائفة الأولى وهو ورثة الرسل عليهم الصلاة والسلام ، وهم أهل العلم العاملون بعلمهم المعلمون غيرهم الذين يحرصون على تبليغ دعوة الله .

والطائفة الثانية هم الذين انتفعوا لأنفسهم وهم مشكورون ومأجورون .

والطائفة الثالثة هم أهل الخسة والحقارة ، وهم الذين نعوذ بالله منهم ومن عملهم ، فلم يرفعوا لهذا الدين رأساً ، ولم يقبلوا هدى الله الذي أرسل به ( صلى الله عليه وسلم ) .

فالطائفة الأولى كأرض نقية ( وفي رواية طيبة ) أخذت الماء فأنبتت العشب والكلأ الكثير ، فآتت من كل زوج بهيج ، فأثمرت النصوص ، والاستنباطات الرائعة ، والجهود الجبارة ، والحكم والأسرار التي أخذتها من النصوص فأعطتها الناس .

والطائفة الثانية أجادب أمسكت الماء فنفع الله الناس ، ومذهب ابن حجر في الطائفة الثانية أنها تعلمت العلم وأدت الفرائض ولكنها لم تعمل بالنوافل .

أما الطائفة الثالثة فأرض سبخة مالحة ، صماء ملساء ، فهي لا تنفع سواء مُطرت أم لم تمطر ، فهي كالذي لا يتعلم ولا يعلم ، فلا نفع منه يرتجي ولا خير فيه ، كما قال تعالى : ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (لأعراف:176) .

وصف الله طالب العلم الذي لا ينتفع بعلمه ولا ينفع الناس كالكلب ، سواء أدخلته في الظل أو أخرجته إلى الشمس فإنه يمد لسانه ويلهث ، فسواء تعلم أم لم يتعلم فهو لم يتغير ، نعوذ بالله من علم لا ينفع .

يقول أهل التفسير : هذا رجل من بني إسرائيل أسمه ( بلعام بن باعوراء ) ، ولكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .

هذه قضايا هذا الحديث الذي بوب البخاري عليه بفضل من علم وعلم ، وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم أحرص الناس على التعليم لأن الرسول (صلى الله عليه وسلم ) يقول لهم دائماً : ( بلغوا عني ولو آيه )(1) ، ويقول : ( نضر الله امرؤ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها ، فرب مبلغ أوعي من سامع )(2) ، فكان (صلى الله عليه وسلم ) يحثهم على التبليغ ، فنشروا العلم في الأقاليم وفتح الله بهم الدنيا وعلموا الناس العلم فجزاهم الله كل خير .

قال البخاري : (باب) رفع العلم وظهور الجهل : وقال ربيعة : لا ينبغي لأحد عنده شيء من العلم أن يضيع نفسه .

عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) : ( إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ، ويثبت الجهل ، ويشرب الخمر ، ويظهر الزنا ) .

الأشراط جمع شرط ، والشروط جمع شرط ( فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا) (محمد: من الآية18) أي علاماتها ، فهي جمع شرط .

فالرسول (صلى الله عليه وسلم ) يقول ( من أشراط الساعة ) ، أي من علامات قيام الساعة التي تسبقها هي هذه العلامات التي في الحديث .

فذكر منها أربع علامات : رفع العم ، وثبوت الجهل ، وشرب الخمر ، وظهور الزنا ، نسأل الله العافية .

يقول البخاري رفع العلم :

رفع العلم : أي رفعه من الصدور بموت العلماء ، أو رفعه بنزع بركته وتأثيره في الناس .

وظهور الجهل : أي انتشاره في الناس .

أما ربيعة فهو ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، شيخ الإمام مالك ويسمى ربيعة الرأي ، وهو من الفقهاء الكبار ومن العقليات الفذة في تاريخ الإسلام .

سمي ربيعة الرأي لأنه كان يجتهد في المسائل ويأخذ بالرأي والقياس ، فسموه ربيعة الرأي .

يقول مالك لما مات ربيعة .. ماتت حلاوة الفقه مع موت ربيعة .

درس مالكاً وعلم مالكاً ، فجلس مالك في الحلقة واجتمع الناس إليه وربيعة في طرف المسجد ، فجاءه رجل فقال : أنت شيخ مالك ، ومالك يدرس .

فقال : درهم من حظ خير من مثقال من غيره .

ولكن مالكاً وأمثال مالك في حسنات ربيعة ، لأنه هو الذي علمهم ومن سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها .

·       في الحديث قضايا :

القضية الأولى :  يفهم من الحديث أنه ليس العلم بكثرة الرواية والكلام ، وقد أشار إليه الشراح .

وقد كثر الكلام في هذا الزمن أكثر من كلام السلف ، أو أكثر من كلام الذين قبلنا ، وكلام الذين قبلنا أكثر من كلام الذين قبلهم وهكذا .

ولذلك يقول حماد بن زيد لأيوب بن تميمة السختياني : يا أبا تميمة كثر والله العلم .

قال : لا والله ، بل كثر الكلام أما العلم فما كثر .

لأن الكلام شيء ، والعلم شيء آخر .

يعني قد يستطيع الإنسان بلا علم أن يلقي محاضرات بعد صلاة الفجر وبعد صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، ولكن بلا علم .

ولابن رجب كتاب أسمه : ( فضل علم السلف على علم الخلف ) يبين فيه أن علم الصحابة هو العلم المطلوب ، ولذلك كانوا لا يكثرون الكلام رضى الله عنهم .

تسأل الواحد منهم فإذا انتهيت قال : نعم يعني أفعل هذا ، أو قال : لا .

وهذه أحاديث الرسول (صلى الله عليه وسلم ) بين أيدينا ، يقول سطراً واحداً بما أوتي من جوامع الكلم ، فيأتي الشراح فيشرحون عليه مجلدات .

القضية الثانية : العلم لا ينفع إذا لم يعلم به ، والذي لا يعمل بعلمه يعاقبه الله بأمور ، منها قسوة القلب واللعنة والنسيان ، ( فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ) (المائدة: من الآية13) .

القضية الثالثة : فضل علم السلف على علم الخلف وقد أسلفناه ، ومن أراد المزيد فعليه برسالة أبن رجب فليطالعها ، ورسالة الخطيب البغدادي ( اقتضاء العلم العمل ) ، كلام متفوق للشوكاني وابن الوزير وغيرهم .

وعلم السلف يفوق علم الخلف في أشياء كثيرة ، منها : عدم التكلف ، بل كانوا يضيقون ذرعاً بالمتكلف ، وقد يؤدبونه أحياناً كما كان يفعل عمر رضي الله عنه ، إذا أتي برجل قد تكلف في السؤال ضربه ضرباً حتى يغشى عليه ويغمى ، ويصبح لا يدري من بجانبه ولا يدري هل صلى الظهر أم العصر !

وعمر رضي الله عنه كان يكره التنطع والتبدع كما في قصته المشهورة مع صبيغ التي رواها الدارمي .

ولذلك أحسن الشافعي رحمه الله في فتواه في أهل التكليف والتنطع من أهل الكلام بأن يضربوا بالجريد ، وأن يطاف بهم في العشائر والقبائل ويقال : هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على علم الكلام .

وقال عمر كما في الأدب المفرد : ( نهينا عن التكلف ) .

ومن التكلف أن يسأل الإنسان عن ما لم يقع ، وقد كان كثير من الصحابة لا يجيبون السائل حتى يعلموا هل وقعت القضية أم لا ، فإذا كانت قد وقعت أجابوه وإلا فلا .

ومن التكلف اقتحام الفتوى بلا علم ، فنحن أصبحنا نفتي في مسائل عويصة كمسائل الطلاق والمواريث وكأننا نقرأ الفاتحة ! ولو عرضت هذه المسائل على الصحابة لجمعوا لها أصحاب بدر .

ومن فضل علم السلف على الخلف أنهم كانوا يقصدون بعلمهم العمل ، قال ابن مسعود رضي الله عنه : كنا لا نتعلم عشر آيات حتى نحفظها ونعرف ما فيها من العمل ، فتعلمنا العلم والعمل .

ومنها : أنهم بلغوا علمهم ولم يحبسوه في صدورهم كغيرهم ، بل كان الواحد منهم يبلغ ولو آية عملاً بوصية الرسول (صلى الله عليه وسلم ) لهم .

قوله في الحديث ( يرفع العلم ) فيها ثلاثة معاني عند أهل العلم :

الأول : أنه يرفع من القلوب لعدم العمل به ، كقوله : ( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ) (الأنعام: من الآية44) .

الثاني : أن ترفع بركته فلا يستفاد منه ولا يعمل به ، قال تعالى ( أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ )(الزمر: من الآية9) .

فأتى سبحانه بالعلم النافع بعد العمل ، أي أن العلم هو الذي يثمر العمل به ، ومن العمل كما في الآية التهجد والصلاة والقيام .

الثالث : أن رفعه هو موت العلماء الذين يحفظونه ويتدارسونه .

كما قال (صلى الله عليه وسلم ) في الحديث الآخر : ( إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العلماء ، وإنما يقبض العلم بقبض العلماء ، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالاً ، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا ) متفق عليه .

وقيل في تفسير قوله : ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا )(الرعد: من الآية41) ، أي بموت العلماء واحداً تلو الآخر .

وقد يقول قائل : كيف يكون رفع العلم من علامات الساعة وهذه المكتبات قد انتشرت ، والكتب قد طبعت وحققت ، والأشرطة قد ظهرت .

فأقول : المراد بالعلم هو النصوص التي أتى بها (صلى الله عليه وسلم ) وما استنبط منه هذا أولاً ، وثانياً أن العلم هو النافع المبارك ، أما كثرة ما سبق فليست دليلاً على العلم ، إنما العلم هو ما أثمر نفعاً حقيقياً وعلمياً للفرد والأمة .

قوله : ( ويثبت الجهل ) فيه معاني :

الأول : أن يكثر الجهلة في الناس ، أي الجهلة في الدين ، وإلا فالناس من أمهر الخلق إذا كان الأمر في الدنيا !

الثاني : أن يترك علم الدين والأثر ، وتبقى العلوم التي لا تنفع المسلمين .

الثالث : غربة أهل العلم في الأمة وانطماس معالم الشريعة ، فتجد الناس يستغربون مسائل في الدين هي ثابتة وأساسية .

والجهل جهلان : بسيط ومركب ، فالبسيط هو الجاهل الذي يدري أنه جاهل ، والمركب هو الجاهل الذي لا يدري أنه جاهل .

وأما شرب الخمر والزنا الواردة في الحديث فإنه قد ظهر ولا حول ولا قوة إلا بالله في كثير من البلدان التي تسمى إسلامية فضلاً عن غيرها .

بل أصبح شرب الخمر علناً وأصبح الزنا مصرحاً له ويمارس أمام أعين البشر .

ومن دواعي الزنا في هذا الزمان عدة أمور ، يأتي على رأسها : الاختلاط بين الرجال والنساء الذي انتشر كثيراً لا سيما مع التساهل في الحجاب عند بعض النساء هداهن الله .

ويأتي على رأس الأسباب انتشار وسائل الإعلام التي تعرض صور الفاتنات ، وتقرب الشهوة والمتعة للشباب ليقعوا فيها .

فنسأل الله أن يصرف عنا الزنا وأسبابه ، والخمر وأسبابها ، وأن يتوفانا غير مفتونين ولا مفرطين .

والله أعلم ، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

علم ينتفع به

 

·       العصر الأول : العلم في القرآن :

فأما القرآن ، فاسمعوا إليه وهو يتحدث عن أهل العلم ، وما أعظم قيمة أهل العلم في القرآن ، وما أجلها ، وما أنبلها ، يريد الله أن يشهد على وحدانيته سبحانه وتعالى وعلى ألوهيته ، فبمن يستشهد ؟ ..

        يقول جل ذكره : ( شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (آل عمران:18) .. فأنظر كيف استشهدهم على أعظم شهادة ، وترك غيرهم فلم يستشهدهم مع من شهد له بالوحدانية .

فهل هناك أعظم من أن يشهده سبحانه وتعالى على أنه واحد يوم يستشهد الله نفسه على وحدانيته ؟ ويشهد له الملائكة ألا إله إلا هو ويشهد له العلماء ألا إله إلا هو ؟

والله سبحانه وتعالى شهدت له الكائنات بالوحدانية ، السماء تشهد أن لا إله إلا الله ، والأرض تشهد أن لا إله إلا الله ، اللمعة من الضوء ، القطعة من السماء ، اللفحة من الهواء ، ورقة الشجر ، خرير الماء ، هدير الحمام، كل شيء يشهد أن لا إله إلا الله .

وفـي كــل شــيء لـه آيـة                      تــدل عــلى أنـه واحــــد

فيا عـجـبـاً كـيف يعصي الإله                      أم كـيـف يجـحـده الجـاحــد

وانظروا إلى أهل العلم يوم يريد أن يفاضل بينهم وبين غيرهم فقال : ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُون)(الزمر: من الآية9) ، ثم ترك الجواب ، وترك الجواب عند أهل البيان للعلم به فإنه ليس هناك مفاضلة بين أهل العلم وبين غيرهم من الناس ، ولذلك لا تفاضل بين العظيم الشريف النبيل وبين الحقير الخسيس .

أم تــر أن السـيف يـنـقـص قـدره               إذا قـيـل أن السـيـف أمـضى من العـصا

فلم يقل سبحانه وتعالى أهل العلم أفضل ، وإنما سكت للعلم به .. ويوم يرفع الله أهل العلم درجات ، أخبر بتلك الدرجات ، وكل درجة في علم الله ، الله أعلم بها .. وأنها لدرجة عظيمة ، ( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ )(المجادلة: من الآية11) .

الذين آمنوا وأتوا العلم ، فلماذا لم يقل أوتوا العلم وكفى ؟ لأن العلم قد يكون إلحاداً ، وقد يكون زندقة ، وقد يكون فسوقاً وفجوراً .

يقول الله لرسوله (صلى الله عليه وسلم ) ( وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً)(طـه: من الآية114) ، يا محمد عليك أفضل الصلاة والسلام ، تابع هذا الدعاء دائماً صباح مساء مع كل صلاة ، ) ( وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً) فإن الطريق تتفتح أمامك ، وإن الشهوات تنجلي أمام عينيك ، وإن الشبهات تكون أنت على بصيرة منها ، وأن الظلمات تنجلي لله فقل رب زدني علماً .

ويتحدث الأنبياء عن أنفسهم عليهم الصلاة والسلام .. فاسمعوا إلى إبراهيم يقول لأبيه : (يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ )(مريم: من الآية43) ، يقول : خف من الله ، أتاني من العلم ما لم يأتك ، عندي سند ، ليس لقوة جسمي ، ولا لمنصبي ، ولا لأسرتي ولا لجاهي ، ولكن يا أبت أني قد جائي من العلم ، العلم الشرعي الذي نزل من فوق سبع سماوات إلى الدنيا ( مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً)(مريم: من الآية43).

ويقول سليمان عليه السلام وهو يتحدث إلى الجيوش والجماهير في عرض عسكري باهر ، يوم جمع له الإنس والجن والطيور والزواحف والحشرات في البحر ، قال للجماهير : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْر)(النمل: من الآية16) .. قال بعض المفسرين ، لو حق للإنسان أن يفتخر بشيء يفتخر به لكفى بالعلم .. يا أيها الناس ، حمداً لله علمنا منطق الطير ، حتى الهدهد وهو طائر ، يقول ابن القيم في بدائع الفوائد : عجباً للهدهد يفتخر بالعلم ، يقول بين يدي الرسول الكريم سليمان صلى الله عليه وسلم  ، وسليمان هو الذي أتى بالتوحيد ، وشق طريق الدعوة ، وبنى مدرسة العقيدة في الدنيا في فترته .. أتى الهدهد من اليمن يوم تخلف فأراد أن يعاقبه سيده على تخلفه ، قال جئتك من سبأ بنبأ يقين .. ثم أخذ يتحدث له عن التوحيد ، وهن الشرك في أرض اليمن ، وماذا ينبغي للمرأة أن تقوم به من دور في الحياة .

وقد أفاض في الحديث حتى قال بعض العصريين ، لقد ألقى الهدهد محاضرة على سليمان ، يقول : إني وجدت امرأة تملكهم ، عجيب المرأة تملك الرجال ؟ .. في دين من ؟ إلا في دين الأوروبيين الخواجات الذين لا يعرفون العـقلاء ، فلا يصح للمرأة أن تملك الرجال .. إني وجدت امرأة تملكهم وأتيت من كل شيء مما يقبل التملك ، ولها عرش عظيم .

كأنه يقول : إياك أعني واسمعني يا جارة ، عرشك ينبغي أن يثبت ، فلا تثبت هذه الملحدة هنا ، والواجب أن يكون عرشك أعظم من عرشها لتبقى راية التوحيد وتزول راية الشرك .

إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم لكن الداهية ، الفاحشة الفحشاء ، والمصيبة الشنعاء ، أنهم يعبدون الشمس ويسجدون لها من دون الله . فعجباً لك أيها الهدهد يوم تفتخر بالعلم !.

صح عن على بن أبي طالب أنه قال : قيمة كل إنسان ما يحسن ، وهذه الكلمة لو كتبت بماء الذهب ما أنصفها ماء الذهب ، حتى يقول أبن عبد البر : ما عرف بعد كلام الله وكلام رسوله (صلى الله عليه وسلم ) أحسن من هذه الكلمة .. (قيمة كل إنسان ما يحسن ) .

وورد عن على رضي الله عنه وأرضاه أنه قال : كفى بالعلم فخراً أن يدعيه من ليس من أهله .. تجد الجاهل الرعيد البليد ، يقول عندي من العلم ما يكفيني ، فكفى بالعلم شرفاً أن يدعيه من ليس من أهله .

والله عز وجل ذكر أهل العلم في القرآن فقرنهم بالإيمان ، فقال : ( وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْأِيمَانَ )(الروم: من الآية56) ، لأن من أوتي العلم قد يوجد منه من هو فاجر ومن هو فاسق ، ومن هو متخلف ، ومن هو زنديق ، فقرن الله والإيمان بالعلم .

وأتى الله عز وجل بالعلم في مقام الشهوات ، يوم ذكر قارون يوم خرج على قومه في زينته ، قال أهل الدنيا أهل الجهل ، أهل المادة : ( يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)(القصص: من الآية79) ، فماذا قال أهل العلم ؟ قال : ( وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ) خافوا من الله استحوا من عذاب الله ( وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ) (القصص:80) .

فانظر كيف وقفوا هناك في موقف الشبهات ، ووقفوا هنا في موقف الشهوات .

والله عز وجل وصف أهل العلم بالقرآن بالفهم والتعقل والتثبت والتؤدة ، فقال ( وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ)(العنكبوت: من الآية43) ما يفهم العبر ولا يفهم النصائح إلا أهل العلم ، ووصفهم الله بالحفظ في كتابه فمدحهم ، فقال في آياته : ( بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ )(العنكبوت: من الآية49) .. في صدورهم كأنها مسطرة ومكتوبة ، لأنهم وعوها ، فانظر إلى هذا الشرف العظيم ..

والله عز وجل دائماً يذكر العلم في معرض إرسال الرسل ، حتى لما ذكر الله الكلاب ، أنظر كيف ميز الكلب المعلم عن الكلب الجاهل ، قال : ( مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ )(المائدة: من الآية4).. فجعل الكلب المعلم إذا صاد فصيده حلال بشروط ، وأما الكلب الجاهل فصيده لا يجوز .. لأنه لم يتعلم !.

ومـيـز الله حـتـى فـي البـهـائـم مـا                   مـنـهـا يـعـلـم عـن بـاغ ومـغـتـشـم

 

·       العنصر الثاني : العلم في الحديث النبوي :

يقول (صلى الله عليه وسلم ) وهو يتحدث عن رسالته فيما رواه البخاري ومسلم عن أبي موسى قال ( مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً ، فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا ، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ ، وذلك مثل من فقه غي دين الله وتفقه فعلم وعلم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به ) .

يقول (صلى الله عليه وسلم ) : يا أهل الصحوة ، يا أيتها الأمة الخالدة ، يا أمة لا إله إلا الله ، يا من حمل مشاعر الخير للبشرية .. مثل ما بعثني الله به إليكم مثل الغيث ولم يقل المطر .

فلماذا لم يقل المطر؟ قال بعض أهل العلم : لأن المطر غالباً استخدم في القرآن في مواطن العذاب، (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ)(الشعراء:173)،(  قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا )(الأحقاف: من الآية24)، فعدل عن المطر وأتى بالغيث ، إن هناك خاصية أخرى ، لأن الغيث فيه غوث للأرض وكذلك العلم فيه غوث للقلوب .

وهناك خاصية ثالثة ذكرها القرطبي وغيره أن العلم صاف من السماء ما شابته الفلسفة والمنطق ، كالغيث الذي نزل رحباً من السماء ما داخله الكدر والطين .. وهذا معنى بديع .

فالرسول (صلى الله عليه وسلم ) يقول رسالتي والعلم الذي جئت به ، وقال الله وقال رسوله ، هذا العلم أتى كالغيث ، أصاب أرضاً فتوزعت إلى ثلاثة أقسام .. فنحن كل الأمة ننقسم إلى ثلاثة أقسام :

1.     قسم رفع رأسه بهذا العلم فجد في طلبه ، وظمئ له ، وجاع لتناوله واحتاج إليه فحصل وجد واجتهد وأتعب نفسه ، فتعلم وعلم الناس .. فهو كالأرض الطيبة الخصبة قلبت الماء فأنبتت من كل زهر الأرض ، ومن كل نبت الأرض ، ومن كل زوج بهيج .

2.     وقسم آخر لم يكن فيه من التقبل ما في القسم الأول ، لكنه حبس الماء وأمسك الماء ، فهؤلاء الذين تلقوا النصـوص فحفظوها للأمة ، فأتى أهل الفقه فأخـذوا هذه النصوص والمتون والأدلة ففجروها للناس . ولذلك ضرب ابن القيم في الوابل الصيّب أمثلة لهذين الصنفين من الصحابة والتابعين إلى قريب من عصر، فيقول : من أمثلة الطائفة الأولى ابن عباس .. فإنه فجر أرضه فأخرج كنوزها وأنهارها وأشجارها وثمارها، فهو فقيه مستنبط علامة .. ومثل الأرض الثانية كأبي هريرة الحافظ ، فأين حفظ أبي هريرة من حفظ أبن عباس ، فحفظ أبي هريرة أعظم وأجل .. وأين فهم ابن عباس من فهم أبي هريرة ففهم ابن عباس أجل وأعظم .. ثم أتت الأمة على هذه المستويات ، كلا الطائفتين مأجورتان مشكورتان مرفوع رؤوسهما يوم القيامة . 

3.     أما الطائفة الثالثة فلا حياها الله ولا بياها ! طائفة أحبت الحياة للبطون والفروج والدور والقصور ، فما تعلمت وما علمت وما استفادت من العلم ، وأظنها غير المسلمين إن شاء الله ، والرسول (صلى الله عليه وسلم )  يقول من حديث معاوية خال المؤمنين رضي الله عنه وأرضاه : ( من يرد الله به خيراً يفقه في الدين )(1) .

ومفهوم المخالفة في الحديث أن من لا يريد الله به خيراً لا يفقه في الدين .

ويقول (صلى الله عليه وسلم ) : ( بلغوا عني ولو آيه )(2)  يقول : بلغوا ، والبلاغ لا يأتي إلا بالعلم .

فالله الله ولو آية ، والله الله ولو حديث ، ليكون لك موقف يوم القيامة ، لتشرب من الحوض المورود الذي طوله شهر وعرضه شهر ، وعدد آنيته عدد نجوم السماء ، من شرب منه شربه لم يظمأ بعدها أبداً ، وأول من يشرب منه من بلغ الرسالة إلى الناس .

والرسول (صلى الله عليه وسلم ) يتحدث عن العلم فيثني عليه كثيراً (صلى الله عليه وسلم ) فيقول : (الدنيا ملعونة ، ملعون ما فيها ، إلا ذكر الله وما والاه ، أو عالماً أو متعلماً )(3) رواه الترمذي وابن ماجة بسند حسن .

ويقول (صلى الله عليه وسلم ) : ( إن معلم الناس الخير يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر وحتى النملة في جحرها )، رواه الترمذي وغيره وسنده حسن(4) ..إلى أحاديث أخرى يستفيض فيها (صلى الله عليه وسلم) في ذكر العلماء وفي ذكر طلبة العلم .

وهو يقول في حديث أبي الدرداء عند الترمذي : ( من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً من طرق الجنة ) ثم يقول (صلى الله عليه وسلم ) ( وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضي بما يصنع ، وإن العلماء ورثة الأنبياء ، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً ، وإنما ورثوا العلم ، فمن أخذه أخذ بحظ وافر ) .. رواه الترمذي وغيره بأسانيد حسنة(5) ، إلى غير ذلك .

ويدعو (صلى الله عليه وسلم ) إلى التعليم ، فيقول في حديث على رضي الله عنه المتفق عليه : ( لأن يهدي بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم ) ، فهداية الرجل الواحد إنما هو بالعلم ، ولذلك ذكر ابن القيم رحمة الله في مدارج السالكين(6)  مراتب الجود : فقال : الرابعة : الجود بالعلم وبذله ، وهو أعلى مراتب الجود ، والجود به أفضل من الجود بالمال لأن العلم أشرف من المال .

 

·       العنصر الثالث : العلم عند العلماء :

1ـ معاذ سيد العلماء ، الذي ورد عنه (صلى الله عليه وسلم ) بأسانيد حسنة أنه قال : ( قائد العلماء إلى الجنة معاذ بن جبل ) .. يأتي أمام العلماء يوم القيامة برتوة ، والرتوة رمية بحجر ، هذا العالم الكبير ، والمجتهد المطلق ، أبو عبد الرحمن ، يقول وقد حضرته سكرات الوفاة ، واقترب الوعد الحق ، وأتاه اليقين ، يقول وهو ينظر إلى سقف منزله ، وهو يناجي رب العزة سبحانه وتعالى : اللهم إنك كنت تعلم أني لم أحب الحياة لغرس الأشجار ولا لجري الأنهار ولا لرفع القصور ولا لعمارة الدور ، وإنما كنت أحب الحياة لثلاث :

مزاحمة العلماء بالركب في حلق الذكر ، وتعفير وجهي في التراب ساجداً لله وصيام الهواجر .

رفع الله منزلتك في الجنة ، فما أعظم رسالتك للناس يوم تركت هذه الكلمات .

يقول بعض أهل العلم : ذقنا اللذائذ وتمرسنا بالشهوات ، فما رأينا ألذ ولا أشهى من العلم ، حتى يقول الأندلسي :

فقوت الروح أرواح المعاني             وليس بأن طعمت ولا شربت

جعلت المال فوق العلم جهلاً             لعمرك في القضية ما عدلت

وبينهما بنص الوحي بون               ســــتـعـلـمـه إذا طـه قــرأت

 

2ـ يأتي سعيد بن المسيب رضي الله عنه وأرضاه وهو يتوجه لطلب العلم يقول : الحمد لله سافرت ثلاثة أيام لطلب حديث واحد .. حديث واحد من أحاديث الرسول (صلى الله عليه وسلم ) ، سافر ثلاثة أيام بلياليهن ، حتى وصل إلى ذلك الحديث .

ونحن في حارتنا وفي منزلنا ، تطرح علينا مئات وآلاف الأحاديث من طلبة العلم ومن العلماء ، ونقول نستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه ، نريد أن نعيش الصحوة ولا نريد أن نتعلم الحديث !!.

بل يوجد في بيوت الكثير منا آلاف الأحاديث في المجلدات ، حتى يقول الشوكاني في نيل الإرب : إن الاجتهاد تسهل في هذا العصر ما لم يتسهل في عصر سبق .. وهذا صحيح ، عقلاً ونقلاً وحساً وحالاً وشهوداً وحضوراً ، فإن الاجتهاد تسهل لوجود هذه الكتب ووجود العلماء وطلبة العلم وتلاقح الأفكار وتسهل المواصلات وطبع الكتب ، واستخراجها من مخطوطات وغيرها ، فكيف يتوانى الشباب في طلب العلم بعد هذا الجهد ؟

3ـ وروى البخاري تعليقاً عن جابر رضي الله عنه وأرضاه ، أنه سافر شهراً واحداً في طلب حديث واحد .. رحم الله تلك العظام ، شهراً واحداً في طلب حديث واحد ؟ في طلب حديث واحد إلى عبد الله بن أنيس في العريش في مصر .. ركب من المدينة ، وجد في السير ، وأجاع بطنه وأظمأ كبده ، وأخذ كلال السفر ومشقة الغربة عن أهله ووحشة الفراق ، حتى وصل إلى عبد الله بن أنيس أحد الصحابة : فطرق عليه الباب في الظهيرة ، فخرج الصحابي فرأى الصحابي الكبير فعانقه وحياه قال : أدخل .. قال : ما أنا بداخل ، قال من أين أتيت ؟ قال من : مدينة الرسول (صلى الله عليه وسلم ) ، قال : تريد ماذا ؟ قال : أريد حديثاً سمعته من فلان حدثني أنك حدثته ، قال : أدخل الآن أنت قادم من سفر ، قال : ما أريد أن يكون خروجي وهجرتي إلا لله ، فأعطاه الحديث ثم عاد إلى المدينة في شهر كامل .

حتى يقول الشعبي لأحد رواته : خذ هذه الثلاثة فو الله الذي لا إله إلا هو ، لقد كان يرحل في أقل منها في نواحي الأقطار .

4ـ الإمام أحمد رحل آلاف الفراسخ ، حتى قال أحد العلماء لو حسبت المدة التي رحلها الإمام أحمد وكانت بالمساحة لطوقت الدنيا . رحل إلى اليمن إلى عبد الرزاق بن همام الصنعاني ، الرواية الكبير الشهير من رجال البخاري ومسلم ، فلما أراد أن يرحل إلى اليمن قال لإسحاق بن راهويه : أترافقني ؟ قال إسحاق : نعم أصحابك ، فلما وصل إلى الحرم وطاف بالبيت ، وأراد العمرة ، وإذا هم بالعلم النجم عبد الرزاق وهو يطوف ، فقال إسحاق : يا أبا عبد الله هذا عبد الرزاق مكننا الله منه وأراحنا من السفر إليه ، قال الإمام أحمد : لا آخذ منه هنا حديثاً واحداً، فلما وصل عبد الرزاق بحفظ الله ورعايته إلى مستقره في صنعاء ، خرج الإمام أحمد بمحبرته ، إمام أهل السنة ، صاحب الأسمال البالية ، الجسم النحيل ، الزهد ، الإقبال على الله ، العجوز الشيخ الكبير ، فذهب بمحبرته حتى يقول له بعض المتنطعين الذين إذا تعلموا سنة أو سنتين قالوا كفانا من العلم ، فقد شبعنا وروينا ، يقول له يا أبا عبد الله ، أنت في الستين والمحبرة معك ؟ قال : نعم من المحبرة إلى المقبرة ؛ وما أحسنها من كلمة لو كتبت على الجباه ، وهل العلم إلا حمل الدفاتر والمحابر والأقلام ، وهل التحصيل إلا ليل نهار كما فعل الإمام أحمد ، فوصل إلى صنعاء اليمن والتقى بعد الرزاق ، فأخذ منه علماً كثيراً طيباً وعاد فسجله في المسند .. فجزى الله الإمام أحمد خير الجزاء ، وجزى الله عبد الرزاق خير الجزاء .. وجزى الله كل من اتجه إلى الرزاق خير الجزاء .

ولذلك أتى غلاة الصوفية كما يقول ابن القيم فقالوا : نحن نطالب علمنا من الرزاق لا من عبد الرزاق .. غلاة الصوفية يقولون : مباشرة بلا سند مرسل ، فنزل عليهم ابن القيم فأباد حججهم حتى تركها قاعاً صفصفاً ، لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً .

فيقول من ضمن كلامه : والله الذي لا إله إلا هو ، لولا عبد الرزاق وأمثال عبد الرزاق ما عرفتم الرزاق .. من أين يعرف الله عز وجل إلا عن طريق الرسل المبلغين ، وطرق الرسل عليهم الصلاة والسلام من طريق أبن المديني ويحيي بن معين وعبد الرزاق وأبي حاتم وأبي زرعة والبخاري وأبي داود وأولئك الملأ العظيم ، من أين تعرف الرسالة إلا من هذا ؟ .. من أين التلقي إلا من هذا ؟.

5ـ دخل سهل بن عبد الله التستري أحد أرباب القلوب الحية على أبي داود ، فقال : يا أبا داود أريدك في طلب تلبيه لي ، قال : ما هو طلبك ؟ قال : أن تخرج لي لسانك ! . قال : لماذا ؟ قال : أقبله ، لأنه طالما قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم ): فتمنع أبو داود ، ولكن سامح ولبى على الإصار من سهل فقبل لسانه !

6ـ رؤى أبو زرعة في المنام ، فقيل له : ما فعل الله بك ؟ قال رفعني في عليين ، قالوا : لماذا ؟ قال : لأني كتبت ألف ألف مرة (صلى الله عليه وسلم ) .

7ـ يقول ابن عباس رضي الله عنهما : والله الذي لا إله إلا هو لقد كنت أخرج في طلب العلم في القائلة والناس قائلون في منازلهم ، فألمس العلم عند الأنصار فأجدهم قائلين ، فأطرح نفسي عند باب أحدهم في الشمس والريح تسفي على التراب ، حتى يخرج الأنصاري على فأسأله الحديث ، فينفعني الله عز وجل ، فيقول الأنصاري : يا أبن عم الرسول (صلى الله عليه وسلم ) ، ألا أيقظتني لآتيك ، قلت : لا أنا آتيك في ساعة لا يوقظ فيها الناس ، ولذلك لما جلس ابن عباس للتعليم قال : ذللت طالباً فعززت مطلوباً ، يقول لما أذللت نفسي في طلب العلم ، عززت فيما بعد يوم أتى الناس يطلبونه مني .

8ـ زيد بن ثابت ، أتى ليركب راحلته .. فاقترب ابن عباس فمسك له الراحلة وسوى ثيابه عليها ، فقال زيد بن ثابت : دع هذا يا ابن عم الرسول (صلى الله عليه وسلم ) ، فقال : هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا .

فقال زيد : أعطني يدك ، فأخذها فقبلها، فقال :هكذا أمرنا أن نفعل بقرابة الرسول (صلى الله عليه وسلم )!

9ـ قال عبد الله أبن الإمام أحمد ، لما دخل أبو زرعة بغداد وقف أبي معه يسائله ، فترك أبي النوافل ليأخذ ما عند أبي زرعة من أحاديث .

لأن الأحاديث التي عند أبي زرعة تفوت ، وأما النوافل فإنها لا تفوت فلها وقت آخر .

ووقف ابن المبارك وعالم آخر من صلاة العشاء إلى الفجر يطلبون العلم ويتساءلون حتى أذن الفجر .

إذا علم ذلك ، فقد كانت حياة الصحابة والسلف الصالح علماً موصولاً بتقوى الله عز وجل ، لأن الله يقول (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)(فاطر: من الآية28) ، فالذي لا يخشى الله ليس بعالم مهما تعلم .

والله أنب كثيراً من العلماء الذين ما نفعهم علمهم في القرآن فقال بن باعوراء اليهودي الإسرائيلي أخو القرد والخنزير ، لما أخذ الآيات فما نفعه في الحياة :

( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (لأعراف:176) .

        وقال لبني إسرائيل وهو يصفهم باردى الأوصاف يوم حملوا الكتب في صدورهم وحفظوها ولم يعملوا بها : ( كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً )(الجمعة: من الآية5) .

قل لي بالله، ماذا يستفيد الحمار إذا حملت على ظهره فتح الباري وبلوغ المرام ورياض الصالحين والمغني؟.

وللأسف فقد وجد في طلبة العلم اليوم من فعل مثلما فعل اليهود ، تعلموا العلم فلم يعملوا به ، فقال الله فيهم: ( فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً )(المائدة: من الآية13) .

قال سفيان بن عيينة : من فسد من علمائنا ففيه شبه باليهود ، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه بالنصارى ، ونعوذ بالله من الصنفين . نعوذ بالله من عالم فاسق ، ونعوذ بالله من عابد جاهل ، لأن العابد الجاهل سريع الدخول في البدع والخرافات ، والعالم الفاسد سريع الدخول في الشهوات والنزوات .. فالخوف على هذا من الشهوات ، والخوف على ذلك من الشبهات .

وليعلم أن العلم إنما هو من الله عز وجل ، يقول جل ذكره : ( وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ)(البقرة: من الآية282) ، فالذي يعلم هو الله ، والذي يفهم هو الله ، فكلما اتقاه العبد كما علمه وفهمه .

وأنظر لابن تيمية رحمة الله رحمة واسعة وهو يمزغ وجهه في التراب ويقول : يا معلم إبراهيم علمني ، ويا مفهم سليمان فهمني . (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَان)(الأنبياء: من الآية79) ، وإبراهيم يقول : ()يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ )(مريم: من الآية43) .

فعلمه معلم إبراهيم ، وفهمه مفهم سليمان ، علماً وفهماً صادقين خالصين استخدمهما في نصرة لا إله إلا الله ، ولذلك فجر طاقة في المعمورة ، حتى أصبح التاريخ لابن تيمية .

يقول أحد المستشرقين فيما اطلعت عليه : ( وضع ابن تيمية ألغاماً في الأرض ، فجر بعضها ابن عبد الوهاب ، وبقى بعضها لم يفجر حتى الآن ) .

إذا علم ذلك ، فإن واجبنا نحو هذا العلم أن نعمل به ، فالعلم لا يبارك فيه إلا بثلاثة أمور : الإخلاص والعمل والتبليغ .. أن نخلص في طلبه وتحصيله ، والأمر الثاني أن نعمل به ، والأمر الثالث أن نعلمه الناس .

وللعلم خمس فوائد :

أولها : كشف الشبهات فلا تكشف الشبهة إلا بالعلم ، قال سبحانه وتعالى : ( أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى)(الرعد: من الآية19) .

قال ابن عباس رضي الله عنهما : فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد .. وبعض العلماء يرفعه للرسول (صلى الله عليه وسلم ) ، والصحيح أنه موقوف على ابن عباس(1) .

فلا تأتيك شبهة زندقة ولا إلحاد ولا شك ولا ظلمة بسبب العلم .

قال ابن دقيق العيد : أصبت في بداية حياتي بالوسواس ، فشكوت إلى العلماء حالي فقالوا : عليك بطلب العلم. فطلبت العلم فأزال الله الواسواس . فدواء الوسواس والشبهات والزندقة والخرافة والتقليد والإلحاد طلب العلم.

الثاني : كبت الشهوات ، فلا يكبت الشهوات إلا العلم ، يقول الله عز وجل وهو يتحدث عن أهل العلم : (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ)(القصص: من الآية80) .

فانظر كيف كبتوا شهواتهم بطلب العلم .

الثالث : أنه تجليه للظلمات ، فالفتن لا يجليها إلا العلم ، وكذا الحوادث والكوارث التي تقع بين الناس لا يجليها إلا العلم يا عباد الله .

ولذلك لما وقعت فتنة ذي النفس الزكية في عهد الخلافة العباسية وقع فيها كثير من غوغاء الناس ، ونجا منها كثير من العلماء ، حتى إن سفيان الثوري توقف فيها ، فقالوا : ما لك تتوقف وهي مقبلة ما تدري ؟ قال : العالم يعرف بالفتنة وقت إقبالها ، فإذا أدبرت يعرفها الجاهل والعالم !

الرابع : العلم إحياء الأموات ، لأن رسالة الرسول (صلى الله عليه وسلم ) إحياء للأرواح . ولذلك يقول شوقي أمير الشعراء يمدح الرسول (صلى الله عليه وسلم ) :

أخـوك عـيـسى دعـا مـيـتاً فـقـام له                     وأنـت أحـيـيت أجـيـالاً مـن الـرمـم

فإن كان عيسى عليه السلام أحيا الميت بإذن الله فأنت أحييت ملايين القلوب بالعلم ، فالعلم إحياء للأموات ، والأمة إذا لم تكن عالمة فهي ميته ، والإنسان إذا لم يتعلم ـ العلم الشرعي ـ فهو ميت ، ( أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ )(الأنعام: من الآية122).

والخامس : العلم رحمة بالكائنات .

فإن أرحم الناس بالناس هم العلماء ، وسيدهم ورسولهم (صلى الله عليه وسلم ) هو الذي أتى بالعلم ، ولذلك قال الله له : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء:107) ، ولم يقل رحمة للناس ليخرج الحيوانات ، ولم يقل رحمة للمؤمنين ليخرج غير المؤمنين الكفار .. وإنما قال للعالمين ، فهو رحمة للكافر والمسلم والحيوانات والعجماوات والطيور والزواحف .

أما رحمته للكافر، فإن الكافر لن يعذب والرسول (صلى الله عليه وسلم ) حي ، قال الله سبحانه وتعالى : (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (لأنفال:33) .. فكنت رحمة لهم وهم كفار .. وأما رحمته للمؤمنين ، فإن الله رحم به المؤمنين فكان أرحم بهم من آبائهم وأمهاتهم .

وأما رحمته بالحيوانات فمما علم من أحاديث : كحديث الجمل الذي شكي إليه (صلى الله عليه وسلم ) أن سيده يجيعه ويحمل عليه ويريد أن يذبحه فأنقذه بأذن الله (صلى الله عليه وسلم ) من الذبح (2). وكذا غيره من الحيوانات .

إذاً فالعلم رحمة للكائنات ، وكشف للشبهات ، وكبت للشهوات ، وإحياء للأموات ، وتجلية للظلمات .

·       العنصر الرابع : موقفنا من العلم :

وهو يستبين من عدة مسائل :

أولها : العلم قبل القول والعمل : ( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ )(محمد: من الآية19) ومن أراد أن يعمل أو يقول قبل أن يعمل يتعلم فقد أخطأ سبيل الخير ، فعليه أن يتعلم ويعمل .

المسألة الثانية : الدعوة لا تنفع إلا بعلم ، فمن أراد أن يتصدر للناس بالدعوة وهو ما عنده علم ، فسوف يخطئ وسوف يضل وسوف يغوي الناس .

المسألة الثالثة : الحماس نبتة ضئيلة وزهرة ربيع تذبل ، والعلم بالدليل شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء ، وتؤدي أكلها كل حين بإذن ربها .

المسألة الرابعة : العلم هو الدليل ، قال سبحانه وتعالى : ( هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا)(الأنعام: من الآية148) ، ( قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)(النمل: من الآية64) .

إذن .. فواجبنا يا شباب الإسلام أن ندعوا الناس .. ولا نتأخر حتى نحفظ الصحيحين والمتون ثم ننزل إلى الساحة .

لكن نتعلم علماً أو حداً أدنى من العلم ثم ننزل إلى الساحة . فنتلقى العلم ونحن نعلم الناس ، فلا ننقطع عن الدعوة فنصبح مركونين في بيوتنا تحت ظلمات الزوايا ، ولا ننزل إلى الناس ونترك العلم فينتهي علمنا في سبعة أيام أو ستة أيام ثم يلتفت الناس حولنا فلا يجدون علماً فنسقيهم بدل قال الله وقال رسوله (صلى الله عليه وسلم )  كلاماً حماسياً يطيش في الهواء ، فهذا ليس بعلم .

ولذلك قال حماد بن زيد صاحب الإمام مالك ، العلامة الجهبذ النحرير الكبير لأيوب بن تميمة السختياني : يا أبا تميمة كثر العلم إن شاء الله قال : بل والله قل العلم وكثرة الكلام .

فالعلم أيا الأخوة الأبرار ليس كثرة الكلام ، فالعلم هو الدليل ، وهو التحصيل العلمي ، وهو تحقيق المسائل، وليس معنى ذلك أن من أكثر الكلام في نصرة الله عز وجل كالمفكرين أنهم قد أخطأوا ، بل جراهم الله خيراً فيما سدوا من ثغرة ، فإنهم قابلوا السلاح بمثله ، لكن لا يعني ذلك أن يظن الشباب أو كثير من الشباب أن الفكر علم فيحصل ويؤصل ويحفظ أنه هو المطلوب ، الفكر شيء غير العلم فالعلم هو الدليل ، وهو الكتاب والسنة وما دار حولهما .

والعجيب : أنه وجد في بعض الأوساط من هون من شأن العلم ، فترى بين شباب العلم أو بعض طلبة العلم ما سمعنا به أو سمع به غيرنا : أنهم إذا سمعوا بشاب حفظ متناً ن كصحيح البخاري أو رياض الصالحين . قالوا زاد نسخة في البلد !

وهذا جهل بالفائدة ، لا والله ما زاد نسخة في البلد ، بل زاد عالماً جهبذاً حافظاً علامة ، ويوجه الأجيال بإذن الله ، والله امتدح الحفاظ فقال عن الملائكة : ( وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَاماً كَاتِبِينَ (الانفطار:11)  فمدحهم بالحفظ ، وقال عند الحفظ : ( بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ )(العنكبوت: من الآية49) .

فإذا علم ذلك : فإن من حفظ كتاباً فإن هذا الكتاب إن شاء الله سوف يهديه للدعوة .

وهناك بعض المسائل في عالم طلاب العلم أود التنبيه عليها :

المسألة الأولى : ما موقفنا من كلمة : من كان شيخه كتابه كان خطؤه أكثر من صوابه ؟

نقول هذه تحتاج إلى تفصيل ، فإن بعض الناس يقبلونها على مطلقها . فعنده فتح الباري مطبوع محقق ولا يقرأ منه ، فإذا قلت له : لماذا لا تقرأ فيه ؟ قال : أخاف أن أقرأ وحدي فأضل سواء السبيل .

وشاب آخر كفر بهذه الكلمة ، فهذه الكلمة لا مصداقية لها عنده ، فأخذ من بداية الطريق يأخذ الأحاديث مباشرة ويفتي الناس بها ويضرب الأحاديث بعضها ببعض ، ويوجه مسار الفتيا والتأصيل العلمي والتحقيق ، فيقول لا حاجة بهذه العلوم والنحو واللغة وأصول الفقه !

فالواجب أن يفصل في هذه الكلمة ، لا يبالغ فيها ، ولا تترك فأما من كان عنده مبادئ علمية يستطيع أن يفهم بها الكتب ، فإنا نقول له سم الله وأبدأ وأقرأ الكتاب من أوله إلى آخره . ودعها فإن معها حذاءها وسقاءها ترد الماء وترعى الشجر !

وأما آخر ليس عنده مبادئ ويخلط الغث بالسمين ، فتقول رويدك ، لابد من أساس علمي ، ومنهج تلقى ، ثم تبدأ .

المسألة الثانية : ظاهرة الفتيا بلا علم ، وهذه الظاهرة خطيرة فالدعوة شيء والفتوى شيء آخر ، ويحق لك أن تكون واعظاً ، متحدثاً ، خطيباً وداعية ، لكن لا يحق لك أن تكون مفتياً إلا إذا انطبقت عليك شروط الإفتاء .

فالإفتاء شيء آخر ، والوعظ لا يحجر أحد عليه ، وسوف ترحب بلك القلوب وتدعو لك الألسنة ، ويتقبل الله منك إذا أخلصت .

أما الفتيا فكأنك أوقفت نفسك تحت السيف ، وكأن السيف مسلول على رأسك تخاف ، لأنك توقع عن رب العالمين سبحانه وتعالى،( وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ) (النحل: من الآية116).

 

 

 

فمن يفتي يوقع عن رب العالمين سبحانه وتعالى ، فهذه الفتيا شأنها صعب .

فطالب العلم بين خطرين: أن يكتم شيئاً علمه الله إياه ، وأن يتحدث بشيء لا يعرفه ، والوسط هو المطلوب: ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ )(آل عمران: من الآية187).

هذا والله أعلم ، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الطريقة المثلى في الطلب 

 

الحمد لله رب العالمين ولي المؤمنين ، ولا عدوان إلا على الظالمين ، والصلاة والسلام على إمام المتقين وقدوة الناس أجمعين ، وعلى آله وصحبه والتابعين .

عنوان هذه الرسالة .. ( منهج طالب العلم ) كتبتها لوضع الحلول لبعض المشكلات التي تعترض طلبة العلم،  لأن هناك مشكلات كثيرة يعيشها طلبة العلم .

منها : عدم ضبط القرآن عند كثير منهم ، فتجد الكثيرين يحفظون المتون ويطالعون الكتب ويحفظون المقامات والمنظومات ، ولا يعتنون بحفظ كتاب الله عز وجل ، وهذه مصيبة .

ومنها : عدم الرغبة في القراءة ، فإن الأمة بالخصوص في بلاد الشرق الأوسط أو الأدنى أو ما يسمى بالدول النامية ! لا تقرأ كما ذكر ذلك بعض أعدائها أخزاهم الله .

ولهذا أسباب منها : الأمية المستفحلة في الأوساط ، منها : الترف ، فأصبحت القراءة مشكلة ولها علاجات سوف يأتي الحديث عنها .

ثالثاً : عدم معرفة المقروء ، فكثير من طلبة العلم إذا قرءوا قرءوا شيئاً غير مفيد ، أو أكثروا من قراءة أمور لا تهمهم بالدرجة الأولى ، ككثير من الناس يقرأ ما يقارب من أربع ساعات في الصحف والمجلات والدوريات . وهذه  لابد من قراءتها ، ولكن ليس بهذا الوقت والاهتمام ، ولا بهذا التركيز الذي أذهب وقت القرآن ووقت الحديث ووقت كتب أهل الحديث ، فليس هذا من هذا في شيء .

الأمر الرابع : ضياع الوقت ، فإن الأمة الآن في مجموعها مضيعة لوقتها ، لا تجد إلا القليل من يحافظ على وقته حتى أن الكثير يجلس من صلاة العصر إلى المغرب في حديث عام لا خير فيه .

الخامس : الجدل العقيم والاختلافات في مسائل ما وراءها ثمرة ولا طائل ولا مكسب ، وتجد البعض يتغاضب مع الآخرين ويتقاطعون على مسائل لا فائدة منها ، وليس من الجدل فيها ثمرات .

السادس : إعطاء المسائل أكبر من حجمها ، فتجد بعض الطلبة يتكلم عن مسألة ويعيشها ويكررها ، فهي قضيته الكبرى في كل مجلس حتى تطغى على حياته مثل جلسة الاستراحة ، ونحن لا نقول يلغيها من حياته لكن يعطيها حجمها .

السابع : أمراض القلوب التي يصاب بها كثير من طلبة العلم ، كالكبر أعاذنا الله وإياكم ، وجزاؤه أن يصرف الله الهداية عن المتكبر ولو كان عنده معلومات ، ( سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ )(لأعراف: من الآية146) .

ومنها مرض الحسد ، وهو كثير بين الأقران ، وما خلا جسد من حسد .

إن العـــرانـيـن تـلـقــاهـا مـحـــسـدة

ولا تــرى لـلـئــام الـنـاس حـــســاداً

وكتب ابن الوزير العالم اليمني العجيب لعمه رسالة يشكو فيها من حسد الأقران ، فرد عليه عمه وقال :

وشـــكـوت مـن ظـلـم الـوشـاة ولـن تـجـد

ذا ســــؤدد إلا أصـــيـب بـحـــســد

لا زلــت يـا صـــدر الـكــرام محـــسـداً

والـتـافـه الـمـســكـيـن غـيـر مـحـسـد

ومنها : مرض الرياء وطلب العلم لغير وجه الله ، وأول من تسعر بهم النار ثلاثة ، منهم طالب علم طلبه لغير وجه الله كما في الحديث الصحيح(1) .

أيها الأخوة الكرام ، أمامي وثيقة تحمل منهجاً استقرائياً لطالب العلم إذا أراد أن يطلب العلم ، وسوف أجعلها على مسائل .

 

 

 

 

 

 

الطريقة المثلى في الطلب 

 

أولاً : أدب السؤال والجواب :

يقول أحد الحكماء : عرض السؤال نصف الجواب

وقالوا : يدل على اللبيب وفطنته حسن سؤاله ، والعاقل من يحسن السؤال وقت السؤال وعرض السؤال ومقام السؤال .

ومن هدي أهل السنة أنهم يسألون عن الوقائع التي وقعت ولا يتكلفون الجواب عن مسائل لم تقع في الناس، لأن من اشتغل بمسائل لم تقع شغلته عن المسائل التي وقعت .

قال عمر كما في صحيح البخاري في كتاب الأدب : نهينا عن التكلف ، والتكلف أن تتكلف شيئاً ما وقع بعد، أو أن تتحدث في مسائل لا تهم السامعين ، فبعض طلبة العلم يتكلمون عن دوران الشمس حول الأرض ن أو في أطفال أهل الفترة ، وأهل الألسكا وشمال الولايات المتحدة كيف يصلون ؟ وأهل القطبين الذين الليل عندهم أربع ساعات والنهار عشرين ساعة كيف يصلون ؟

وإذا سألته عن نواقص الوضوء لا يعرف شيئاً ! يعيش في القطبين والأسكا ولكنه لا يعيش في أحكامه الجزئية التفصيلية .

قال تعالى : ( قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) (صّ:86)  فميزة الإسلام انه دين ميسر ، فالقرآن يخاطب جمهور الناس ويخاطب جميع الفئات .

فهل سمعتم أن عجوزاً تشكو أنها لا تفهم القرآن ؟ فهذه ميزة القرآن أنه سهل وكذلك الشريعة عموماً ، (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) (القمر:17)  ، فوصيتي لإخواني ألا يتكلفوا المسائل التي لم تقع فينشغلوا عن مسائل وقعت ولم تبحث إلى الآن .

ثانياً : الأغلوطات :

من مذاهب المتكبرين في العلم أنهم يسألون عن الأغلوطات دائماً وعن المسائل كالألغاز ( ما هو الشيء الذي إذا رفعته بكى ، وإذا أجلسته سكت ) !! ( ما هو الشيء الذي نصفه خمس وعشرون ، وثلاثة أرباعه ستة وعشرون ) !! ومن هذا الكلام الذي لا يفيد في الدنيا ولا في الدين .

والأغلوطات نهي عنها السلف ، وذكر الإمام مالك أن حديث كثرة السؤال يعني : ( إن الله كره لكم ثلاثاً منها كثرة السؤال )(1) ، قال : الأغلوطات .

وهي المصاعب من المسائل التي يتعب فيها العلماء ، فبعض طلبة العلم يريد أن يوقف الأساتذة ويحيرهم يقول : والله لأبين مدى علمه .

وهذا منهي عنه ، وهو مرتكب محرماً ن ولا يجوز أن يغلط العالم أو يعجزه بمسألة إلا إذا كان سيستفيد منها .

ثالثاً : كثرة السؤال :

قال (صلى الله عليه وسلم )  ـ كما سبق ـ : ( إن الله كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال ) ، قال العلماء كثرة السؤال في المال .

قال بعضهم : بل كثرة السؤال عند نزول الوحي ، أما بعد نزول الوحي فلا .

يقول الله عز وجل : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (الحديد:28) ، ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ) (المائدة:101) ، فلما نزل الوحي وانتهى فلا بأس أن تسال .

لكن قيل : إن كثرة السؤال هي في الأغلوطات أو المسائل التي لم تقع أما المسائل التي أنت بحاجة لها فمن الحكمة أن تسال .

قيل لبن عباس : كيف حصلت على هذا العلم ؟

قال : بقلب عقول وبلسان سؤول .

وقالوا فيما نظموا :

وسـل الفـقـيـه تـكــن فـقـيـهـاً مـثـلـه

والطالب النجيب كثير الأسئلة ، والطالب البليد هو الذي لا يسأل في الفصل لأنه لا يدري ما هو الدرس المشروح ، فهو دائماً ساكت مهمته أن يتابع خطوات الأستاذ في الفصل !

وأنت جرب نفسك ذاكر الدرس قبل أن تحضر إلى الفصل تجد أنك ستناقش ، ومستعد أن تحاور وأن تأخذ وأن تعطي .

أما إذا لم تذاكر فإنك تسكت بلا شك .

عن الدار قطني بسند يصححه بعض العلماء يقول (صلى الله عليه وسلم ) : ( إن الله سكت عن أشياء فلا تسألوا عنها ) .

قيل : في وقت نزل الوحي ، وقيل : بل حتى الآن في بعض المسائل ، فبعض الطلبة تجده متحيراً يأتيك ويسألك فيقول : أنا لا زلت من البارحة متحيراً في مسألة .

قلنا : ما هي ؟

قال : هل الجن يدخلون الجنة أم لا ، وإذا دخلوا الجنة أين يسكنون ؟!

كأنه مكلف بأن يسكنهم الجنة !

وأنا أسألك سؤالاً ، أأنت أعلم أم أبو بكر أو عمر أو عثمان أو علي أو أبي أو معاذ ؟ أما كفاهم أن سكتوا ، أفلا يكفيك أنت ؟

ولو أنه لا بأس عند العلماء أصحاب الفطنة أن يسألوا مثل هذه الأسئلة ، فقد سئل ابن تيمية هذا السؤال (هل يدخل الجن الجنة )؟ لكن ابن تيمية عبقري يستأهل مثل هذا السؤال .

فقال : لم يصرح القرآن والسنة ، ولكن لمح لهذا القرآن في قوله : ( لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ) (الرحمن:74)  .

فالتشاغل بأشياء تعود إلى الأمر الأول ليس من الحكمة .

وأحياناً يسأل الإنسان عن مسائل تكون شقاءً عليه أو ترديه .

رابعاً : من سئل وهو متشاغل :

يقول البخاري : ( باب ) من سئل علماً وهو مشتغل فأتم الحديث ثم أجاب السائل ..

أنظر إلى التويب ! ما أحسن فقه البخاري في التويب !

فالبخاري يتساءل مثلاً ك أنك لو كنت في محاضرة فسئلت في مسألة فلا بأس أن تتم الحديث ، وهذا ليس البيان وقت الحاجة ، فتتم كلامك ومحاضرتك ثم تلتفت إلى السائل .

والدليل على ذلك ما في الصحيحين أن الرسول (صلى الله عليه وسلم ) كان على المنبر يتكلم للناس وأمامه علماء الصحابة ، فدخل أعرابي من باب المسجد فقال : يا رسول الله ، متى الساعة ؟ وهل هذا وقت السؤال ؟ وهل من الحكمة أن يجاب هذا وتهدر حقوق ألف مواطن أمامك ؟

فلما انتهى (صلى الله عليه وسلم ) من الحديث قال : ( أين أراه السائل عن الساعة ) (يقول : أخرجوه لي).

قال : أنا يا رسول الله .

قال : ( إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة ) ، أو كما قال عليه الصلاة والسلام .

وفي حديث آخر لأعرابي آخر قال : متى الساعة ؟ قال : ( ماذا أعددت لها ) ؟.

قال : ما أعددت لها كثير صلاة ولا صيام ولا صدقة ولكني أحب الله ورسوله .

قال : ( المرء يحشر مع من أحب )(1) .

من حبكم فاعلموا للحب منزلة

نهوي غريمكم لو كان يهوانا

هذه مسألة نأخذ منها أن الذي يحاضر في الناس أو يتحدث لا يقطع حديثه من أجل واحد ، ومن الحكمة في الدروس أن يتأنى طالب العلم ويتأخر حتى يأذن الأستاذ في طلب الأسئلة من الناس .

بوب ابن حبان بباب إعفاء المسؤول عن الإجابة على الفور .

يقول : المسؤول ليس ملزماً أن يجيب على الفور ، وهو مأخوذ من حديث أبي هريرة عند مسلم : فلما قضي حديثه قال (صلى الله عليه وسلم ) ( أين أراه السائل عن الساعة ) ، فما أجابه إلا بعد مدة .

وعند مسلم أن رجلاً قال للرسول (صلى الله عليه وسلم ) : إنني رجل غريب لا يدري دينه ( جاء يسأل عن دينه ) ، فتركه (صلى الله عليه وسلم )، فلما انتهى من خطبته أخذ (صلى الله عليه وسلم ) في إجابته وتعليمه .

وورد أنه (صلى الله عليه وسلم ) قطع الخطبة للحاجة .. فأحياناً يستدعيك الأمر أن تقطع الخطبة أو الدرس أو المحاضرة للحاجة .

فإن كانت حاجة ملحة مثل أن ترى أعمى يريد أن يتردى في البئر فواجب أن تنبهه ، وهكذا ما شابه هذا .

دخل أعرابي اسمه ( سليك الغطفاني ) والرسول (صلى الله عليه وسلم ) يخطب الجمعة فجلس ولم يتنفل .

قال له (صلى الله عليه وسلم ) : ( أصليت ) ؟

قال : لا يا رسول الله .

قال : ( قم فصل ركعتين وأوجز )(1) .

ويسمح للخطيب يوم الجمعة بملاحظة لابد منها ، مثل ما فعل عمر في الصحيحين عندما كلم عثمان وأنبه على تأخره .

فقال : يا أمير المؤمنين كنت في السوق فسمعت الأذان ( نسيت أنه الجمعة ) فما هو إلا أن توضأت وأتيت.

قال : والوضوء أيضاً ، وقد سمعت أن الرسول (صلى الله عليه وسلم ) كان يأمرنا بالغسل .

قطع الخطبة من أجل الفائدة .

فيجوز إذن للمأموم أن يكلم الخطيب ، وللخطيب أن يكلم المأموم ، ولكن ليس للمأموم أن يكلم المأموم في أثناء الخطبة .

خامساً : سؤال العالم وهو جالس أو واقف :

هل من الأدب أن تسأل العالم وهو قائم والأستاذ وهو يمشي . كان الإمام مالك يتحرج من هذا ، وذكر عنه أنه سئل سؤالاً في الحديث فجلس .

وكان سعيد بن المسيب في مرض الموت رحمة الله رحمة واسعة أحد التابعين بل من أجل التابعين وسيد التابعين ، فسئل عن حديث فقال : أجلسوني .

قالوا : شققنا عليك يا أبا محمد .

فقال : كيف أسأل عن حديث الرسول (صلى الله عليه وسلم ) وأنا مضطجع ؟

وإبراهيم بن طهمان ذكر عنده بعض العلماء وهو في سكرات الموت فأجلسوه فقال : لا ينبغي أن يذكر الصالحون ونحن متكئون ، أو كما قال .

لكن البخاري قال : (باب) من سأل عالماً وهو جالس . يعني مقصود هذا الباب على عكس ما أردنا وسوف يأتي العكس .

معنى ذلك : هل يكون السائل واقفاً والمسؤول جالساً ، وسوف يأتي مبحث أن المسؤول واقفاً والسائل جالساً.

فهل لك أن تسأل وانت واقف والعالم جالس ؟

قال : جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وسلم ) في الحديث المتفق عليه والرسول (صلى الله عليه وسلم) جالس والرجل واقف ، فقال الرجل : يا رسول الله ما القتال في سبيل الله ؟ فرفع الرسول (صلى الله عليه وسلم ) رأسه إليه .

ماذا نأخذ من قوله : ( فرفع الرسول صلى الله عليه وسلم  رأسه إليه ) ؟ نأخذ أنه كان جالساً .

فرفع رأسه إليه فقال (صلى الله عليه وسلم ) : ( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ) .

هذا هو الكلام ! هذه المعجزة ! هذه الأعجوبة ! هذه هي الفصاحة ! أن يحوي لك المعنى كله في جمل .

يقول (صلى الله عليه وسلم ) : ( أختصر لي الكلام اختصاراً ، وأوتيت جوامع الكلم )(2) .

يقول : ( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ) ، هذه قاعدة . لم يقل : من قاتل من أجل نصرة الدين أو نصرة السنة أو حماية المقدسات .. هذه جملة واحدة ، من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله .. إذاً فلا بأس أن يكون الطالب واقفاً والأستاذ جالساً .

سادساً : الإمام والمعلم يسأل طلابه :

من ذكاء المعلم والمربي أن يمتحن عقول الطلاب وأن يسألهم دائماً ، وأن يناقشهم في الدرس الماضي وفي الدرس الحاضر ، وماذا قرأ وأن يخبرهم أنه سوف يناقشهم .

قال أهل العلم : ولا يأتي لهم بالغوامض من المسائل بل يناقشهم في المسائل الحاضرة المستفاد منها .

استدل أهل العلم على هذه المسألة كما قال البخاري : ( باب ) طرح الإمام المسألة ليختبر ما عندهم من العلم .. قال ابن عمر في الصحيحين : كنا جلوساً عند الرسول (صلى الله عليه وسلم ) فأتي بجمار ( قلب النخلة ) فقال عليه الصلاة والسلام : ( إن من الشجر شجرة مثلها كمثل المؤمن حدثوني ما هي ) والمسألة قريبة فالجمار عندهم .

قال ابن عمر : وكنت صغيراً .. لكن يستحي أن يتكلم ، فأبو بكر جالس وعمر وعثمان وعلي وكبار الصحابة ، وهذا من الأدب ألا يأتي شاب ولا طالب علم ويتحدث بحضور المشايخ وكبار السن . فهذه نصيحة لطلاب العلم بذلك .

فسكت ابن عمر وانسحب وقال : وفي القوم أبو بكر وعمر النجمان الشيخان القطبان .

قال : فوقع الناس في شجر البوادي ـ أي الصحابة ـ يقول فلان : العرعر ، وقال فلان : هو السلم ، وقال فلان : السدر ، وقال آخر : الطرفاء ، إلى غير ما قالوا ، وقال ابن عمر : فوقع في نفسي أنها النخلة فاستحييت .

ولما أخبر عمر فيما بعد قال عمر : والذي نفسي بيده وددت لو أنك قلته وليس لي الدنيا بما فيها، يعني لكي يحتفي بك الرسول عليه الصلاة والسلام حتى يكرمك ويقدرك . فعجز الصحابة أن يعرفوا هذه الشجرة لأن الشجر كثير وما انتبهوا للجمار .

قال (صلى الله عليه وسلم ) : ( هي النخلة ) .

والشبه بين النخلة والمؤمن أن المنافع في كل أجزائها ، وكذلك المؤمن كلامه طيب ، وفعله طيب ، وذكره طيب ، وشفاعته طيبة ، وخلقه طيب ، وإكرامه طيب ، وسلوكه طيب .

ومنها من الفوائد العظيمة ما لا يحصى ولا يعد ، ويقولون : هي أفيد شجرة .

وعرض ابن القيم مناظرة بين شجرة العنب والنخلة ، فغلبت النخلة .

وهي مذكورة دائماً في القرآن فلا تجد في القرآن الجرجير والخس والبقدونس ، ولا الخضراوات الوقتية التي تنتهي بانتهاء الفصل كالخوخ والمشمش ، إنما هذه التي تقوم عليها ثروات العالم التمر والعنب ، لذلك الآن تذهب إلى أمريكا إلى استراليا والصين وكل بلاد العالم تجد أن أكثر سلعتين هناك الحبوب والعنب ، والحبوب ذكرها الله سبحانه وتعالى في مسألة ما يحصد ، ولسنا في مسألة الزراعة ولا الصادرات ولا الواردات ! ولكن في مسألة عرض المسألة .

ويقول بعض الشراح : الشبه بين النخلة والمؤمن أن النخلة إذا رميتها بالحجر أنزلت عليك رطباً ، وكذا المؤمن إذا رميته أو سببته ردها بإحسان .

كان عيسى عليه السلام يقول لتلاميذه وحوارييه : كونوا كالنخلة ترمي بالحجر فترد رطباً ، وهذا مثل المؤمن تجد السفيه يسبه فلا يرد إلا خيراً .

ولـقـد أمـر عـلي الســـفـيـه يـســبنـي

فـمـضـيـت عـنـه وقـلـت لا يـعـنـيـني

وقال حاتم الطائي وهي من أشرف أبياته :

وكـلـمـة لـحــاسـد مـن غــيـر جــرم

مــررت فـقـلـت مـــري فـانـفـذيـنـي

وعـــابـوهـا عــلـي ولـم تـعــبـنـي

ولــم يـنـد لـهـا أبــــداً جـــبـيـنـي

هذه من أحسن ما يكون !

قال تعالى : ( وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً) (الفرقان: من الآية63).

ومن المسائل أنك إذا سألت فاسأل الله ، فهي من أحسن ما يكون .

والله عز وجل يحبك إذا أكثرت المسألة ، والآدمي يكرهك إذا أكثرت سؤاله ، ولو ما يعطيك كل يوم إلا ريال لكن في رابع مرة يعطيك هراوة !!

الله يـغـــضـب إن تـركـــت ســـؤالـه

وبـنـي آدم حـــيـن يـســـأل يـغـضـب

فمن أراد منكن أن يتقرب من الله فليكثر من السؤال .

 

 

 

سابعاً : من أجاب السائل بأكثر مما سأله :

هل لك إذا سألك السائل أن تجيب بأكثر مما سئلت ، فإذا سالك عن اسم تقول : محمد بن على أسكن في الرياض وعمري ثلاثون سنة وعندي أربعة أطفال .

هل هذه من الحكمة ؟

أولاً : في مقررات العقل ليس هذا وارداً ، ولكن في مقررات الشرع هو وارد للفائدة .

قال تعالى : ( وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى) (طـه:17) ، ما هو الجواب ؟ عصا .. لكنه قال : ( قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى) (طـه:18)  هذه محاضرة .

قال الحسن البصري : طاب له الجواب فأكثر في الخطاب فهو يخاطب الله ـ عز وجل ـ فأكثر ، وأنت إذا أعجبك الرجل السائل وهو من الناس زدت في الجواب فكيف بالواحد الأحد الذي له المثل الأعلى () وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى)(الروم: من الآية27) .

إذاً .. إذا كان الجواب فيه مصلحة للسائل أو يقتضي السؤال أن تزيد فيه فلك ذلك ، فكان هدية عليه الصلاة والسلام إذا رأى حاجة السائل يحتاج إلى شيء زاده في الجواب .

وعند أبي داود والترمذي وابن شيبة ومالك وغيرهم أن الرسول (صلى الله عليه وسلم ) سأله أعرابي عن ماء البحر هل يجوز الوضوء منه ؟

فماذا قال عليه الصلاة والسلام ؟ قال : ( هو الطهور ماؤه الحل ميتته ) ، هذه قاعدتان اثنتان نصف علم الطهارة في الحديث : ( هو الطهور ماؤه الحل ميتته ) لم يسأله عن الميتة . قال أهل العلم : لما سأله عن الماء وهو ظاهر أنه طاهر فالميتة من باب أولى ألا يعرفها ، فما دام سأل عن ماء البحر فمن باب أولى أنه ما يعرف حكم ميتة البحر ، فقال عليه الصلاة والسلام : ( هو الطهور ماؤه الحل ميتته ) .

فالأستاذ إذا سأله الطالب سؤالاً خفيفاً ورأى من الحكمة أن يجعله محاضرة لا بأس .

ومن الحكمة أيضاً في الجواب أنه إذا سالك سائل ورأيت الجواب أحسن أن تلفه ويسمى جواب الحكيم ، وهو في القرآن في قوله سبحانه وتعالى : ( يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ )  (البقرة: من الآية189) ، فهم ( أي قريس ) سألوا عن الهلال ما له يبدو صغيراً ثم يكبر ، ولا فائدة من هذا السؤال للناس . فأجاب الله سؤالهم بما ينفعهم في دنياهم وأخراهم فقال : ( قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ) (البقرة: من الآية189) ، والمعنى هذا سؤالهم حقير مثل حقارتهم ، وما دام أنهم سألوا فالجواب : ( قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ) .

قال الزين بن المنبر وهو من شراح البخاري قال : مطابقة السؤال للجواب غير لازم ، بل إذا كان السؤال خاصاً والجواب عاماً جاز .. وهذا كلام ثمين .

ثامناً : بشرى سارة وهي :

أن الصحابة لك يسألوا الرسول عليه الصلاة والسلام أو لم يختلفوا ، ولم يسألوا في العقائد إنما سألوه في الأحكام التشريعية الأخرى ، أما العقائد فأجمعوا وسكتوا ورضوا وانتهوا إليها ، وإنما أتت المباحثة والمساءلة من المبتدعة في مسألة العقائد .

يقول ابن القيم في (إعلام الموقعين ) ما معناه : أن الصحابة لم يختلفوا في شيء من العقائد ولم يسألوا الرسول (صلى الله عليه وسلم ) في شيء من ذلك ( يعني سؤال اختلاف ) ، فالله ذكر في القرآن : ( يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ) (البقرة: من الآية189) ( وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيض) (البقرة: من الآية222) ( يَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ) (البقرة: من الآية215) ( يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِر) (البقرة: من الآية219) ، إلى أخر تلك الأسئلة وهي خمسة عشر موضعاً في القرآن .

ويسألونك لم يرد فيها سؤال في العقيدة ، فهم بحمد الله لم يختلفوا وأجمعوا وسكتوا ، فأنت الآن لا تقل : كيف استوى أو تسأل في دقائق العقيدة التي لا تهمك كما يصنع أهل البدع .

تاسعاً : هل يذكر المجيب الدليل أم لا ؟

لو سألك عامي أو طالب علم عن مسالة هل تذكر له الدليل أم لا .

في الجواب تفصيل :

إن كان السائل طالب علم فأخبره بالدليل ، فإذا سألك : ما حكم ماء البحر هل أتوضأ به قل : نعم .

والدليل على ذلك ما عند الأربعة أو الخمسة وابن أبي شيبة بسند صحيح أن أعرابياً سال الرسول عليه الصلاة والسلام عن ماء البحر فقال : ( هو الطهور ماؤه الحل ميتته ) .

لكن سألك عامي أعرابي عن ماء البحر فقلت له : نعم ناء البحر طاهر ، والدليل على ذلك قول امرئ القيس :

قفا نبكي من ذكرى حبيب ومنزل

بسقط اللوى بين الدخول فحومل !!

هل يعترض عليك ويقول : الحديث باطل ؟ فسواء ذكرت له الدليل أم لم تذكره فإنه لن يستفيد شيئاً .. لأنه يريد الحكم فقط .

وينبغي أن يحذر طالب العلم من تفريع المسائل للعوام كبعض الناس لما سئل عن دباغ الجلود هل تظهر إذا دبغت ؟

قال : فيها سبعة أقوال : قال الزهري ، وقال الروياني ، وقال الماوردي ، وقال الشافعي ، وقال مالك ، وقال داود الظاهري ! فجعل هذا العامي في حيص بيص لا يدري هل هو في تنزانيا أم أنه في مدغشقر ! وهذا ليس من الحكمة .

إذا سألك فقل : الجواب كذا كلمة واحدة .

فالجواب بالدليل لطالب العلم ، أما العامي فيعطى الجواب بلا أقوال ، قل له الراجح في المسألة .

عاشراً : من سئل وهو في عبادة :

عند البخاري ( باب) السؤال والفتيا عند الجمار .. أي : الجمار الكبرى والصغرى والوسطى . هل يسأل عندها ؟ هذا سبب ولكن لا عبرة بخصوص السبب بل بالعموم .

يقول بعض أهل العلم : مراد البخاري أن اشتغال العالم بالطاعة لا يمنع من سؤاله ما لم يكن مستغرقاً فيها، يعني إذا جئت إلى عالم وهو يسبح فلك أن تسأله ، وكذا قراءة القرآن ، لكن إذا كان يصلي فلا تسأله .

كان (صلى الله عليه وسلم )  يرمي الجمار فأتاه رجل وقال : يا رسول الله نحرت قبل أن أرمي ؟

قال : ( افعل ولا حرج ) ، فأتي آخر فقال : ذبحت قبل أن أرمي .

قال : ( أفعل ولا حرج ) ، وأتى ثالث وقال : رميت قبل أن أحلق .

قال : ( افعل ولا حرج ) .

قال : فما سئل (صلى الله عليه وسلم ) عن شيء قدم ولا أخر إلا قال : ( أفعل ولا حرج ) .

( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ )(الحج: من الآية78) ، (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا )(البقرة: من الآية286)

        والمقصود أنه (صلى الله عليه وسلم ) كان يرمي ويسبح ويذكر الله ، وكان يفتي الناس يمنة ويسرة .

ذكر ابن عبد البر في ( جامع بيان العلم وفضله ) أن معاوية خيم في الأبطح لما انتهى من الحج ، وكان خليفة المسلمين ، فأتى الحجاج ينزلون كالسيل بعد صلاة المغرب فأمر معاوية أن تغلق السكة والطرق حتى يطوف هو الوداع حتى لا يكون هناك زحام ، فصف الجنود وقال : لا تأذنوا لأحد أن ينزل من الحجاج حتى أنتهي أنا من الطواف ، فإذا انتهيت فأذنوا للناس .

فوقف الجنود يردون الناس ، فأتى رجل من قريش : عبد الله بن جعفر الطيار ، وكان من أكرم العرب ومن أكرم الناس ، وكان سخياً ماجداً ، فأتى ليدخل فقالوا : لا .. ممنوع .

فقال : والله لأمضين .

قالوا : من أنت ؟

قال :

أنــا الأخـــضـر مـن لا يـعــرفـنـي

أخــضـر الـجــلـدة مـن نـسـل العــرب

مـن يـســاجـلـنـي يـســاجـل مـاجــداً

يـمـــلأ الـدلــو إلـى عــقـد الـكــرب

فقال معاوية : من هذا ؟

قالوا : عبد الله بن جعفر .

قال : ائذنوا له .

فمر ومعه موكب فدخل الحرم .

فأتى عمر بن أبي ربيعة الشاعر المخزومي ومعه موكب من الشباب فقال : ائذنوا لي .

قالوا : لا .. ممنوع

قال :

بـيـنـمـا يـذكــرنـنـي أبـصــرنـنـي

عـنـد قــيـد الـمـيـل يـســعـى بالأغـر

 

قــال تـعـــرفـن الـفـتـى قـلـن نـعـم

قـد عــرفـنـاه وهـل يـخـفـى الـقــمـر

قال : ائذنوا له فمضى .

فأتى ابن عمر رضي الله عنه وعلى بغلة والناس كالغمام حوله ، هذا يقول : فعلت ن فيقول ( أفعل ولا حرج ) ، وهذا يستفتيه .

قال معاوية : هذا الشرف ورب الكعبة ، ائذنوا لابن عمر .

فكان أشرف الجميع ، أشرف من معاوية ، وابن جعفر ، وابن أبي ربيعة .

المقصود : أنه لا بأس أن يسأل من كان عبادة لا تمنع من رد السؤال .

الحادي عشر : قول لا أدري :

لا أدري نصف العلم ونصف الجهل ، ومن ترك لا أدري أصيب مقاتله ، وإذا أتي في القرآن (وَمَا أَدْرَاك) (الحاقة: من الآية3) فمعناها أن الله سيجيب رسوله بعدها ، أما إذا قال تعالى : ( وَمَا يُدْرِيكَ ) (الأحزاب: من الآية63) فلن يجيبه .

نأخذ مثالين يقول سبحانه وتعالى : ( الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ(3) ماذا نتوقع يجيبه أم لا يجيبه ؟ ( وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ (القارعة:11) هذا الجواب .

قال : ( وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ)(الشورى: من الآية17) فما أخبره .. هذه قاعدة .

يقول (صلى الله عليه وسلم ) في حديث لكنه مرسل ولا يصح :( أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار )(1) وإذا رأيت الإنسان يسارع في الفتيا فاعرف أنه فيه شيئاً من الجهالة ، أو أنه قليل العلم ولا يخاف الله .

مر أحد التابعين ببعض الشباب يفتون الناس ، فقال : ويحكم تسألون في مسائل لو سئلها عمر لجمع لها أهل بدر .

فعمر في الاستئذان سأل الأنصار ، فقد طرق أبو موسى عليه الباب ثم ذهب بعد الثالثة فقال : تعال يا أبا موسى لم ذهبت ؟

قال : لأن الرسول (صلى الله عليه وسلم ) قال : ( إذا استأذن أحدكم ثلاثاً ولم يؤذن له فليذهب ) ، قال : والله لتأتين بشاهد أو لأوجعنك ضرباً .

فذهب إلى الأنصار واستفتاهم في هذه المسألة حتى اقتنع عمر . بينما نحن الآن نخوض في كبار المسائل .

الثاني عشر :

قال البخاري : (باب) ما يستحب للعالم إذا سئل : أي الناس أعلم فيكل العلم إلى الله عز وجل .

بعض الناس الآن يقول : أنا أعلم الناس وكان ابن الجوزي رحمه الله يقول وقد عوتب :

لـو كــان الـعـلـم شــخـصـاً نـاطــقـاً

فـســـألـتـه هــل زار مــثـلـي قــال لا

وهذا خطأ لا يجوز .. يقول رحمه الله ... لو كان هذا العلم إنساناً ناطقاً وسألته هل رأى قبلي في الحياة لقال .. لا .

وهذا من الغرور الذي نراه أحياناً عند الناس نسأل الله العافية .

يقول كان الحجاج بن أرطأة يجلس في طرف المجلس فقالوا : أجلس في الصدر .

قال : أينما جلست فأنا صدر .

موسى عليه السلام معصوم ولا يتكبر ، وعصمه الله من ذلك ، قام يتكلم في بني إسرائيل بالعلم والحكمة ، فقال بنو إسرائيل : هل تعلم أعلم منك ؟ وهو الصحيح أنه لا يعلم أعلم منه في البشر .

قال : لا أعلم أعلم مني .

فعاتبه الله أنه ما رد العلم إليه ، ولو قال : الله أعلم لكان أحسن ، فأوحى الله إليه أن عبدي الخضر بمجمع البحرين أعلم منك .

قالوا : في علم الباطن .

فذهب إليه في قصة طويلة وبوب لها البخاري : (باب) وكوب البحر في طلب العلم .

الثالث عشر مراجعة العالم :

لك أن تراجع العالم ، يعني يفتيك في مسألة فما توثقت منها فلك أن تراجعه ، لكن لا تراجعه حتى تمله ويدعو عليك .

فبعض الناس في مسألة وجيزة يرد الكلام وترد الجواب ، ويرد الكلام وترد الجواب ، حتى تمل منه .

 

أقــول لـه عــمــراً فــيـكــتـبـه

زيـــداً ويـنـطــــقــه بـكــــراً !

تجوز مراجعة العالم حتى تفهم المسألة ، والدليل على ذلك أن عائشة رضي الله عنها وأرضاها في ( باب) من سمع شيئاً فراجعه حتى يعرفه من البخاري، سألت الرسول (صلى الله عليه وسلم ) وراجعته في حديث:( من نوقش الحساب عذب )(1) .

فقالت عائشة : يا ر سول الله أليس الله يقول : ( فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً) (الانشقاق:8)  ؟

فقال عليه الصلاة والسلام : ( ذلك العرض يا عائشة ) ، يعني سوف يحاسب حساباً يسيراً ، ونسأل الله أن يحاسبنا وإياكم حساباً يسيراً وهو العرض ، أن يقول لك فعلت كذا يوم كذا ، وفعلت كذا يوم كذا ، وغفرت لك وسترتك في الدنيا ، هذا العرض ، فنسأل الله ستره وعفوه ، ولكن من نوقش الحساب عذب .

فعائشة استشكلت مسألتين : مسألة ( يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً) (الانشقاق:8)، وبين قول الرسول (صلى الله عليه وسلم ) : ( من نوقش الحساب عذب ) .. فأخبرها أن الحساب شيء والعرض شيء آخر .

الرابع عشر : الحلف في الجواب :

هل لك أن تحلف على ما تجيب ؟ يسألك سائل كم يتمضمض المتوضئ فتقول : والله الذي لا إله غيره يتمضمض ثلاث مرات .

قالوا : من حيث الأصل لا داعي لذلك ، لكن إذا كان فيه مصلحة لتأكيد الجواب أو لإظهار أو لتثبيته أو لترسيخه ، أو كان في المسألة خلاف ورأي العالم أن الحق هذا ، فله أن يقسم ، ( قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ )(يونس: من الآية53) .

كان أحد العلماء عند قاض فسأله القاضي فحلف قال : أجبنا ولا تحلف .

قال :يا قاضي ، إن الله طلب من الرسول عليه الصلاة والسلام أن يقسم في ثلاثة مواضع في القرآن:( زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ )(التغابن: من الآية7)، ( قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ )(يونس: من الآية53) .

فهذا من القسم الذي أجاب به الرسول (صلى الله عليه وسلم ) ، ولما سأله الرجلان في حد الزاني قال : ( والذي نفسي بيده لأقضين بينكم بكتاب الله ) وكان الإمام أحمد يقول : إي والله إذا سئل عن مسألة .

الخامس عشر : من جعل لأهل العلم أياماً معلومة :

كان عبد الله بن مسعود يذكر الناس كل يوم خميس ، وليس هذا من البدع لأن المصلحة تدعو إلى ذلك ، ففيه نفع للعالم وللطالب وللأمة .

وقد كان (صلى الله عليه وسلم ) يجعل للنساء يوماً مخصصاً هو يوم الاثنين .

السادس عشر : متى يصح سماع الصغير ؟

هذا باب بوبه البخاري

والصحيح أنه يصح سماعه إذا ميز وأصبح يدرك الفرق بين الأشياء ولو كان صغير السن .

فقد يكون صغير السن وهو نبيه ذكي ، وقد يكون كبير السن وهو ضعيف العقل قليل الإدراك .. فالعبرة بالتمييز والعقل .

السابع عشر : من أعاد الحديث ثلاثاً ليفهم عنه ..

فلك أن تعيد المسألة ثلاث مرات حتى ترسخ ، وهذا ليس من التكرار الممل بل هو من التأكيد للعلم ، كما كان (صلى الله عليه وسلم ) يفعل في حديث أنس الصحيح أنه (صلى الله عليه وسلم ) كان إذا سلم سلّم ثلاثاً ، وإذا تكلم تكلّم ثلاثاً . رواه البخاري .

الثامن عشر : عظة الإمام للنساء وتعليمهن :

واجب على المرأة أن تتعلم أمور دينها ، وواجب على كل مسلم أن يوصل إليهن المحاضرات والمواعظ والدروس في البيوت بواسطة الشريط أو الكتيب أو أي وسيلة لتفقه المرأة أمور دينها .

وواجب على العلماء أن يخصصوا لها أوقاتاً محددة للإجابة عن أسئلتها ، أو تعليمها عبر الحاضرات والمواعظ .. ولكن بالضوابط الشرعية المعلومة كما كان يفعل (صلى الله عليه وسلم ) .

 

التاسع عشر : إثم من كذب على رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) :

وفي هذا تحذير لطلاب العلم من التجاوز في حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) ، لأن بعضهم يتساهل في إيراد الأحاديث في كل مجلس دون تأكد منها .

قيل للزبير : ما لك لا تحدثنا عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) ؟

قال : والله لقد حضرت كما حضروا ـ أي الصحابة ـ ولكني أخشى من حديث سمعته من النبي (صلى الله عليه وسلم ) : ( من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار ) . متفق عليه .

العشرون : من خص بالعلم قوماً دون قوم .

من حكمة الواعظ أو المعلم ألا يتكلم بكل المسائل أمام الناس بل لكل مقام مقال ، فربما يتكلم بكلام الخاصة عند العوام فيفهم منه ما لا تحمد عقباه .

قال ابن مسعود : إنك لست محدثاً قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم .

مثل من يتكلم في مسائل الأسماء والصفات وتفاصيل ذلك عند العوام . والواجب عليه أن يحدثهم بالأصول الكبرى للإسلام وبما ينفعهم ويزيدهم إيماناً .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

من آداب طلب العلم

 

ما هي الآداب التي تجعلك محصلاً ؟ في المكتبات كتاب اسمه ( كيف تطلب العلم ) ، ألف قبل ما يقارب سنة ، وفيه مسائل لا بأس بها ألخص لكم بعض الفصول :

 

أولاً : من آداب التحصيل أن يكون خالصاً لوجه الله ، فإن الفرق بين طلبة العلم في الإسلام عن طلبة العلم من الكفار أنهم يطلبون العلم لوجه الله ، ( أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِص) (الزمر: من الآية3) ، ( مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) (لأعراف: من الآية29) ، ( إنما الأعمال بالنيات )(1) ، طلب العلم لوجه الله لا للوظائف لا للمناصب لا للشهادة .

ثانياً : العلم قبل القول والعمل ، ( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ )(محمد: من الآية19) بلية الأمة من اثنين : عالم فاجر ، وعابد جاهل .

فالعالم الفاجر يشابه اليهود ، فإنهم تعلموا ولم يعملوا ، والعابد الجاهل يشابه النصارى ، فإنهم عملوا ولم يعلموا ، فقال الله في اليهود : ( فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ) (المائدة: من الآية13).

وقال في بعض النصارى : ( وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ ) (الحديد: من الآية27) فمن تعلم ولم يعمل غضب الله عليه ، ومن عمل بلا علم كان ضالاً ، ( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ)(الفاتحة: من الآية7) والمغضوب عليهم اليهود ، والضالون النصارى .

أيها الأخوة الأجلاء : العلم قبل القول والعمل ، قال البخاري : ( فبدأ بالعلم قبل القول والعمل ) .

وقال مطرف بن عبد الله بن الشخير لابنه : يا بني ، واعلم أن العلم أفضل من نوافل العبادة ، فطلبك للعلم أفضل .

وعند الطبراني لكن في سنده نظر عن أبي ذر : ( يا أبا ذر لأن تتعلم حديثاً واحداً خير لك من أن تصلي سبعين ركعة ) ، وأنا افضل أن الطالب والأستاذ والمعلم أن يحضر مجالس العلم ولا يبقى في المسجد ولو صلى مائتي ركعة ، لأنه هنا يصحح الإسلام ، وهنا يزيد في الإيمان ، وهنا يتفقه في الدين ، وهنا تظهر له الشبه ، وهنا تتجلى أمامه الشهوات ، ولكن قد يصلي والشبه باقية عنده والشهوات هي هي .

والرسول (صلى الله عليه وسلم ) دخل المسجد فوجد حلقتين : حلقة يذكرون الله ، وحلقة يتعلمون ، فقال : ( أما السائلون فيسألون الله إن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم ، وأما هؤلاء فيتعلمون العلم وإنما بعثت معلماً ) ، فجلس معهم .

ثالثاً : الصبر في الطلب :

لا تـقــــل قــد ذهــــبـت أيــامــه

كـل مـن ســـار عـلـى الـدرب وصــل

طلب العلم ليس بالأمر السهل ، والذي يأخذ من رؤوس الشجر مثل الجمل الشارد ما يخرج إلا بمعلومات جزئية وثقافات عامة ، ولكن الذي يريد أن يتخصص في علم يكون صابراً محتسباً .

بعض علماء الغرب هؤلاء تجد أحدهم حياته منذ ولدته أمه إلى أن يصبح في الثمانين من عمره في هندسة التربة ما يتجاوزها ، لا يأخذ فناً آخر ، حتى بعضهم في بعض الولايات يقولون : ما يعرف الولايات الأخرى ، ولا يقرأ الصحف اليومية ، مشغول بمادته حتى ينتج للناس في هذه الجزئية يقدمها للناس .

جاءني أحد الإخوة من طلبة العلم من مصر وهو في نيويورك ومن الأذكياء النابهين أتى بعلاج معه من سبع نباتات اكتشفه رجل من النمسا يسكن في أمريكا عنده جنسية أمريكية جلس فيه سبعين سنة وعمره الآن اثنتان وتسعون سنة ، ونال جائزة أمريكا على مستوى العالم في الطب ، وجلس سبعين سنة يسافر إلى الأرجنتين وبلاد العرب والصين واليابان ويجمع النباتات ويحللها ويختبرها ، وبعد ستين سنة اكتشف العلاج وحده وهذا العلاج عجيب .

وعندنا تجد الإنسان يريد أن يكون مهندساً ويكون خطيباً يوم الجمعة لأجل الراتب ، وطبيباً في آخر النهار، وعنده معمل ، ويستطيع أن يفتي الناس ويؤلف الكتب ، يعني ( حيص بيص ) لكن لا يجمع شيئاً منها .

إذاً .. يا شباب ينبغي الجد في طلب العلم وعدم الكسل .

القفال أحد العلماء الشوافع أراد أن يطلب العلم وعمره أربعون سنة ، وذهب في الصباح فجاءه الشيطان وقال : تطلب العلم وأنت في الأربعين ، فعاد فرأى رجلاً يسقي الزرع ويخرج الماء من البئر بالحبل ، فوجد الحبل قد أثر في الصخر فقال :

اطــلـب ولا تـضــجـــر مـن مـطـلـب

فـآفــة الـطـــالـب أن يـضــجـــرا

أمــا تـرى الـحــبـل بـطــول الـمــدى

عـلـى صــلـيـب الـصــخــر قـد أثـرا

جلس أحد الحكماء بجنب شجرة فقامت النملة تريد أن تطلع فسقطت ، وبعد السبعين حاولت وطلعت ، وهذا الصبر والمثابرة .

ثم إني أقول لكم ، يا أيها الأخوة من لم يستطع التخصص في مجال فليذهب إلى مجال آخر : وظيفة ، عمل ، طلب علم ، دعوة ، خطابة ، بشرط أن يكون مستقيماً ملتزماً ن ثم لا يهم أن تدخل الجنة من أي باب .

رابعاً : البدء بالأهم فالمهم ، فنبدأ بالمسائل وأصول الدين والمتون ومجمل العلم ، والظاهر من العلم المشهور الذي لم يختلف فيه شخص ، المهم فالمهم حتى تصل بإذن الله .

وأنصحكم بقراءة هذه الكتب : ( نيل الإرب ) للشوكاني ، و( الفقيه والمتفقه ) للخطيب البغدادي ، و 0جامع بيان العلم وفضله ) لابن عبد البر .

خامساً : التكرار والمذاكرة ، بأن تكرر كثيراً ، فبعض الطلبة الآن يشتكون من عدم حفظ القرآن ، لكن إذا سألتهم وجدتهم يكررون المقطع أربع مرات أو خمس مرات أو عشر مرات ، الصحيح أنك تكرر أكثر من خمسين مرة أو أكثر .

فأطالبكم يا أحباب بحفظ القرآن قبل الطلب ، ولو أن تحفظ في اليوم آية وسوف تجدون أنفسكم بعد سنوات تحفظون كتاب الله كله .

هل منكم أحد يعجز أن يأتي في يوم من الأيام ويكرر : ( وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (البقرة:281) .

كررها طوال اليوم إلى أن تحفظها جيداً وهكذا ما بعدها .

سادساً : كتابة العلم ، فأوصي الأخوة أن يكون الواحد منهم عنده دفتر جيب ( نوتة ) يسجل فيها ما يستفيده من المجالس العامة ، وما يسمعه من الأخبار ، فإن كان عند المذياع وأعجبه بيت ، أعجبته طرفة ، أعجبه خبر ، أن يكون عنده دفتر اسمه ( دفتر ما هب ودب )  تكتب على هذا الكشكول ( كشكول ما هب ودب ) .

وهذا يسمى صيد الخاطر كما يصنع ابن الجوزي وغيره ، بل إن بعض العلماء قد ألف المجلدات بفضل هذا التقييد .

وجرب وسترى الثمرة بعد حين .

سابعاً : أن تعمل بما تعلم كما سبق لكي لا يقال لك : ( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (البقرة:44) .

فبعض الطلاب حريص جداً على المذاكرة والمراجعة والاستنباط ، ولكنه مثلاً لا يحضر الجمعة إلا متأخراً، أو أنه لا يتنفل بعد الصلوات ، بل بعضهم يطلب العلم للشهادة والراتب ، نسأل الله العافية .

ثامناً : نشر العلم في الناس، وتفهيم الأمة هذا الميراث النبوي وهذا العلم النافع وعدم حبسه في الصدر،( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) (البقرة:159) ، ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ)(آل عمران: من الآية187) .

والرسول (صلى الله عليه وسلم ) يقول : ( نضر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها ، فرب مبلغ أوعى من سامع )(1) ويقول : ( بلغوا عني ولو آية )(2) .

فتدعو وتعلم في محيطك ، مدرستك ، عملك ، جيرانك .. وهكذا إلى أن ينتشر العلم المبارك في الأمة .

 

 

 

 

تأملات في طلب العلم

 

الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ، ()الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (فاطر:1)الحمد لله حمداً حمداً ، والشكر لله شكراً شكراً .

والصلاة والسلام على معلم البشرية ، وهادي الإنسانية ، ومزعزع كيان الوثنية ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم .

أما بعد ..

الرسالة تتحدث عن طالب العلم .. ما هو لباسه ؟ وما هو معتقده ؟ وما هي وظيفته ؟ وما هو دوره في الحياة ؟ وما هو برنامجه اليومي ؟ وما هو تحصيله ؟ وكيف يحفظ ؟ وكيف يفهم ؟ وكيف يحقق المسالة ؟ وكيف يدعو الناس ؟ وكيف يعامل الناس ؟ وكيف يسير مع الناس ؟

كل هذه المسائل وغيرها ستكون مطرق البحث إن شاء الله .

قال تعالى : (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) (العلق:1) لمن الخطاب ؟ للمصطفى (صلى الله عليه وسلم ) .. لصاحب الرسالة الغراء .. للأمي الذي ما قرأ ، ولا كتب ، وما تعلم في مدرسة ولا دخل جامعة ، ولا جلس في كتاتيب ، فليس له أستاذ ولا شيخ : ( وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ) (العنكبوت:48)  ، أنت لم تكتب .. أنت لم تقرأ .. أنت لم تحفظ .

أنت جئت من الصحراء من بين جبال مكة السود لتبعث الإنسانية وتعيد الإنسان وترفع رأس الإنسان .

(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) (العلق:1) ماذا يقرأ ؟ أين الصحف والمجلدات ؟ أين الجرائد والمجلات ؟ أين المصنفات ؟ أين السبورة والشيخ ؟ أين الأستاذ والمعلم ؟ وأين الدفتر ؟

قال أهل العلم : كأنه يقول له : اقرأ الفضاء .

وكــتـاب الـفــضـاء أقــرأ فـيـه                   ســـوراً مـا قــرأتـها فـي كـتـابـي

اقرأ في الشمس من خلقها ؟

اقرأ في القمر كيف يرسل أشعته ؟

اقرأ في النجوم اللامعة كيف تبدد الظلام ؟

اقرأ في خرير الماء يوم يوشوش بين الحصى ؟

اقرأ في هدير النسيم بين الشجر ؟

اقرأ في السفح والغدير والماء النمير والجدول والرابية .

اقرأ مع الطير .

لأنها آيات الله في الكون .

وفـي كــل شـيء لـه آيــة                               تــدل عــلـى أنــه واحــــد

فخرج (صلى الله عليه وسلم ) من الغار وقد علم وتعلم .

وانطلق (صلى الله عليه وسلم ) فتكلم فكان أفصح فصيح .

وقاد الجيش ، فكان أعظم قائد .

وساس الأمة ، فكان أعظم سائس .

وربى الأجيال ، فكان أعظم مربي .

يقول شاعر وادي النيل للمستشرقين يوم طلبوا معجزة له (صلى الله عليه وسلم ) .

أتـطـلـبون مـن المـخـتـار مـعـجـزة                 يـكـفـيه شـعـب مـن الأمـوات أحـيـاه

أما يكفي له (صلى الله عليه وسلم ) أنه أحيا القلوب بالعلم .

نزل (صلى الله عليه وسلم ) إلى فصحاء مكة فحفظه الله القرآن وعلمه الله السنن ، ثم قال له الله في أول الطريق : ( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ) (محمد: من الآية19) فقبل أن تتكلم تعلم ، وقبل أن تٌعلم تعلم ، وقبل أن تدعو تعلم .

وهذه رسالتكم يا طلبة العلم ، ويا حملة خلاصة الرسالات ، ( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ) (محمد: من الآية19).

أما فضل العلم : فهو أفضل من أن يذكر ، وأشرف من أن ينوه بشرفه ، وأعلى من أن يذكر علوه .

أتقول للقمر أنه بهي وهو قمر ؟

قال على رضي الله عنه كما في جامع العلم وفضله لابن عبد البر : كفى العلم شرفاً أن يدعيه من ليس من أهله ، وأن يتخلى عنه من يتخلى عن الجهل .

قال تعالى : ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ )(الزمر: من الآية9) ، هل يستوي العالم الذي يتدبر الآيات ويعيش في ظلال الأحاديث مع من يضيع وقته في المعصية والشراب والرقص واللهو واللعب ؟

وقال تعالى : ( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)(المجادلة: من الآية11) ، وذكر الدرجات هنا لأنها عظيمة ، فلا يعلم عددها ولا عظمها ولا ضخامتها إلا الحي القيوم .

وقرن العلم بالإيمان لأن العلم بلا إيمان إلحاد وكفر لا ينفعه في الآخرة .

ويقول سبحانه وتعالى : ( وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ) (القصص:80) ، قالوها عندما خرج قارون في حلة ثمينة يميس بها على الناس كبراً وخيلاءً وبطراً .

فقال أهل الدنيا السخفاء الحقراء : ( يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (القصص: من الآية79) .

فوقف العلماء وطلبة العلم فقالوا : ( وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ) (القصص: من الآية80) .

إن هذه الدنيا تزول ولا يعرف قدرها إلا العلم .

ويقول سبحانه وتعالى : ( بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ) (العنكبوت: من الآية49)، آيات راسخات ومعان جليلة وأهداف نبيلة ومبادئ أصيلة هذا الدين ، ولكن في صدور أهل العلم لا غيرهم ممن لا يستحق ذلك .

ويقول سبحانه وتعالى : ( وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ)(العنكبوت: من الآية43) من الذي يفهم الآيات ؟ إلا العالمون دون غيرهم .

أما الرسول (صلى الله عليه وسلم ) فصح عنه أن قال : ( إن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً ، وإنما ورثوا العلم ، فمن أخذه أخذ بحظ وافر )(1) .

فميراث رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) هو العلم ، وهو قال الله وقال رسوله (صلى الله عليه وسلم ) .

 

تـعـال يـا مـن حــالـه فـي وبـال                     ونـفـسـه مـحـبـوسـة فـي عـقـال

يـا نـائـمـاً لـم يـسـتـفـق عـندما                     أذن فـي صــبـح الـلـيـالـي بــلال

روض الـنـبـي الـمـصـطـفى وارف                    وأزهــاره فـاحــت بـريـا الشـمـال

مــيـراثـه فـيـنـا جـمـيـل الحـلا                    وأنـتـم أصــحــابـه يـا رجـــال

من بعض الآثار التي لا تصح مرفوعة : ( توزن دماء الشهداء بمداد العلماء ) .

فالعلم أفضل ما أجمع عليه العقلاء قاطبة اليهود والنصارى والمجوس والصابئة والمسلمون والهندوك ، كلهم أجمعوا على أن العلم أفضل مطلوب ، ولكن يختلفون في كيفية العلم وما هو العلم .

أما الإخلاص في طلبه فاعلموا أن العلم الشرعي لا يصلح إلا بالإخلاص .. ولا يبارك فيه إلا بالإخلاص .. ولا يؤتى ثمرته إلا بالإخلاص .. ولا يحفظ في الأذهان إلا بالإخلاص ، ( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين)(البينة: من الآية5) ، ( أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ) (الزمر: من الآية3).

وصح عنه (صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : ( إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى )(2) .

 أن الثلاثة الذين تسعر بهم النار أولاً هم : عالم أو قارئ يقال له : تعلمت العلم ، وقرأت القرآن ، فماذا فعلت فيه ؟ قال : علمت الجاهل وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر .

فيقول الله وهو أعلم بالسرائر : كذبت

وتقول الملائكة : كذبت .

ويقول الله : إنما تعلمت ليقال عالم خذوه إلى النار(3) .

وفي حديث حسن عنه (صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : ( من تعلم العلم ليجاري به العلماء وليماري به السفهاء لم يجد ريح الجنة ، وإن ريحها يوجد من مسافة أربعين سنة )(4) .

وفي حيث حسن عنه (صلى الله عليه وسلم ) : ( من تعلم العلم مما يبتغي به وجه الله لا يصيب به إلا عرض الدنيا فليتبوأ مقعده من النار )(1) ، وكان معاذ وأبن عمر يبكيان من هذا الحديث بكاء عظيماً لأنه حديث مرهب ومرعب ومخوف لمن تدبره .

فالإخلاص أن تطلب العلم لوجه الله ولرفع الجهل عنك ، ثم تريد به ما عند الله من دار الكرامة ، فإنك إذا فعلت ذلك أعطاك الله خيراً من الدنيا وما فيها .

والذي يطلب العلم للدنيا ينال حظاً قليلاً .ز وظيفة أو منصباً أو جاهاً ، ولكنه يخسر ما عند الله عز وجل من النعم وقرة العين والكرامة والسرور والحبور والدور والقصور ، في جنة عرضها السماوات والأرض .

هذا أمر لابد أن يرسخ في الأذهان .

ومن مقاصد طلب العلم كما قلت أن ترفع به الجهل عن نفسك ، ثم ترفع به الجهل عن أبناء أمتك ، ثم تصبر على الأذى فيه ، ثم تعمل به في حياتك ومع الناس .

أما المسألة الثالثة فالتقوى : قال تعالى : ( وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ )(البقرة: من الآية282)، فكلما اتقيت الله علمك الله .

وفي أثر في سنده نظر ومن أهل العلم من حسنه : ( من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم )(2) ، فأنت إذا عملت بهذا الحديث اليسير أو القرآن زادك الله علماً .

فيا إخوتي في الله ، أنا أجزم جزماً أن أصغر واحد منا يستطيع أن يعلم أمة من الأمم ، وأن يكون من أكبر الدعاة في الدنيا إذا اتقى الله وعمل بعلمه .

فنحن لا ينقصنا كثرة علم ، ولكن نحن ينقصنا العمل والتقوى والإنابة والإخلاص .

فالتقوى في طلبه تشمل العمل وتشمل الخشية .

قال أحد المحدثين : ذهبت إلى بغداد لأطلب الحديث فمات الشيخ الذي أريد أن أطلب الحديث منه ، فلقيني يحي بن سعيد القطان وقال : يا فلان إن فاتك هذا الشيخ فلا يفوتك تقوى الله !

أما المسألة الرابعة : العمل بالعلم : فقد كتب الخطيب البغدادي كتاب ( اقتضاء العلم العمل ) وقال : العلم كنز كنوز المال ، إذا لم ينفق منه فو الله لا ينفع . وهذا صحيح ، فبعض الطلاب عنده حفظ المتون وحفظ المجاميع ، لكن بلا علم ، فصلاة الفجر مثلاً يصليها بعد شروق الشمس ، ويستمع للحرام ، ويشاهد الحرام ، وليس عنده نوع تعبد لا قراءة قرآن ولا تسبيح ولا حب لله ولا رسوله حباً صادقاً .

فهذا ليس بعلم لقوله تعالى : ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ )(فاطر: من الآية28)، أي : إنما يصلي في الجماعات ويؤدي الطاعات أصحاب العلم النافع .

انظر إلى بني إسرائيل أخذوا المجلدات فحفظوها فما نفعهم فهم كالحمار الذي وضع عليه فتح الباري وتفسير ابن كثير ورياض الصالحين ( كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً) (الجمعة: من الآية5).

وقال الله في عالمهم :( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ(175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (الأعراف:176)  .

المسألة الخامسة : التوبة والاستغفار : وهي تدخل في العمل بالعلم لكن فصلتها لأهميتها .

فإنك لا تزداد في العلم بصيرة وإدراكاً وفهماً إلا مع كثرة التوبة والاستغفار .

تجلس على الكرسي في الفصل وأنت تستغفر ، وهكذا في الطريق ، وهكذا في السيارة وفي كل شؤونك ، لأن الله يفتح على المستغفر : ( فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً) (نوح:12) .

ولذلك قرن الله كثير بين الاستغفار وبين الأعمال التي هي ثمرة العلم ، بل قرن العلم والاستغفار في قوله تعالى : ( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ )(محمد: من الآية19).

فأوصيكم ونفسي قبل قراءة أي كتاب ، أو مذكرة أي مادة ، أو مراجعة أي درس ، أو حفظ أي مقطوعة أو حديث ، أن نستغفر كثيراً ليوفقنا الله فيها وليفتح لنا مغاليقها وكل صعوباتها .

أما كيف نحفظ المعلومات :

فأقول : الحفظ على قسمين : حفظ فطري جبلي ، وحفظ سببي كسبي .

فبعض الناس جبله الله من صغره وفطرته على الحفظ ، فعقله أذكى العقول كالسيف لا يسمع آيه إلا حفظها، ولا حديثاً أو كلمة أو شعراً إلا لصق بذهنه ، وآخر بضده لا يستطيع حفظ أقل مقطوعة أو حديث ، وهذا مشاهد وقد يكون مع ذلك مؤمناً .

وقد يكون صاحب الحفظ فاجراً لأنها ليست بدليل على الإيمان ، فإذا كنت ممن لم يعط جبلة ومقدرة على الحفظ فلا تكلف نفسك بذلك في غير القرآن والحديث : ( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا ) (البقرة: من الآية286) .

وأنت سوف تكون عالماً ولو لم تكن حافظاً فعليك بالفهم .

والإمام أحمد حفظ عنه أنه كان يقول : فهم العلم أحب إلينا من حفظه .

وأول شيء يبدأ به هو حفظ القرآن العظيم ، وأنا أعجب لمن يحفظ المتون ويجتهد فيها وهو لم يبدأ بحفظ كتاب الله الذي يؤجر على كل حرف يقرأه فيه ، بخلاف تلك الكتب التي قد تضيع عليه الوقت دون فائدة ، إذن فأول شيء يحفظ هو القرآن ، ثم ينتقل إلى الحديث ، ثم المتون المتنوعة حسب تخصصه وميوله .

ومن المتون التي ينبغي الحرص عليها : مختصر البخاري للزبيدي ، ومختصر مسلم للمنذري ، وبلوغ المرام في الأحاديث والأحكام للحافظ ابن حجر وزاد المستنقع في الفقه ، والبيقونية في مصطلح الحديث ، والرحبية في الفرائض .

فإذا لم تستطع حفظ هذه المتون فكررها كثيراً ، واقرأ الكتاب عشرين مرة لتكون في متناول يدك إذا أردت أن تبحث عن القضية أو المسألة أو الحديث .

أما الفهم ، فواجب التركيز عليه كثيراً لأنه هو المقصود .

قال تعالى : ( أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (محمد:24)، ( أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) (النساء:82) ،( كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (صّ:29) .

فلابد أيها الأخوة من التدبر للقرآن ولغيره من الكتب النافعة ومحاولة فهمها ، لأن هذا هو العلم الحقيقي أن تفهم المسائل وتحللها وتستنبط للوقائع المختلفة وأن تنزل كل مسالة منزلتها .

أما كيف يبدأ طلب العلم : فإنه يبدأ بدراسة العلم على الأساتذة وعلى العلماء وطلبة العلم في الثانويات والمعاهد العلمية والمدارس والكليات .

وقبل ذلك في المساجد في حلق العلم ، لأن تلك تعطيك المفاتيح والمساجد تؤهل علمك وتزيده وتبارك فيه ، لأنك ستجمع بين العلم والعبادة .

وتبدأ بحفظ القرآن كما سبق وتطالع معه تفسيراً مختصراً كمختصر تفسير ابن كثير للرفاعي ، ثم تدرس المختصرات وتكررها ، كبلوغ المرام ، وزاد المستنقع ، وألفية العراقي ، والبيقونية ، والرحبية ، وقبل هذا كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب ، أو الأصول الثلاثة له .

وهكذا تترقى في العلوم إلى أن تصل بإذن الله .

ثم ركز على المادة التي تستهويك وتجد أن نفسك تميل إليها ، سواء العقيدة أو قسم القرآن أو الفقه أو الحديث وهكذا . ولا تكره نفسك على تخصص أو مادة لا تميل إليها لأن الله يقول :( قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ ) (البقرة: من الآية60).

واحرص على تكوين مكتبة إسلامية تضم أمهات الكتب المفيدة من كتب أهل السنة بعد أن تقسمها وتفهرسها على الفنون ليكون أسهل لك عند البحث والمطالعة .

واعلم أن العلم ليس بكثرة الكتب وجودة الطبعات ، بل بالفائدة التي تحصل منه .

فبعض العلماء من المعاصرين ليس في مكتبته إلا كتب محدودة ولكنها من الأصول والأمهات ، ومع ذلك هو علم من أعلام الأمة في هذا الزمان ، وفتواه مقبولة في كل مكان .

واعلم أنه لا مانع من قراءة الكتب العصرية ، لكن بعد أن تؤسس نفسك في علوم السنة ، لكي لا تزل في مقالات المفكرين وأصحاب الكتب والمناهج المحدثة ممن خالف منهج أهل السنة في بعض المسائل .

وعليك كثيراً بهذا الكتب:كتب الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ،وكتب شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وعلماء الدعوة .

وكتاب فتح الباري مع ملاحظة أخطاء الحافظ رحمة الله في باب العقيدة .

وكتاب المغني لابن قدامة .

وكتاب نيل الأوطار للشوكاني مع ملاحظة بعض اختياراته الفقهية .

وكتاب سبل السلام للصنعاني .

وكتاب السلسبيل للبليهي رحمة الله .

ومعارج القبول للحكمي .

والطحاوية .

وفي التاريخ عليك بكتاب البداية والنهاية لابن كثير .

وسير أعلام النبلاء للذهبي .

وفي الرجال عليك بتهذيب ، وتقريب التهذيب ، كلاهما لابن حجر .

وفي الحديث عليك بالكتاب الستة جميعها ، ومسند أحمد ، وجامع الأصول لابن الأثير ، وموطأ مالك

وفي السيرة عليك بزاد المعاد لابن القيم .

أما لباس طالب العلم : فواجب عليه أن يلتزم بتقصير ثوبه إلى الكعبين لأنه نهي عنه إطالة الثوب كما معلوم ، وأن يبتعد عن الثياب المزرية به .

وأن يبتعد عن لبس الأحمر الخالص وعن لبس الحرير لأنه محرم .

وأن يلبس المتوسط من الثياب الذي لا يلحقك بأهل الكبر ، ولا يقصر بك إلى أهل الدروشة .

وأن يكون أبيض اللون في الصيف ، وأن يكون الثوب نظيفاً ، وأن يحرص على الطيب والسواك .

أما معتقد طالب العـلم : فهو معتقد السلف الصالح ، بأن يكون سلفياً صرفاً دون تذبذب أو مداهنة أو مجاملة .

وأن لا يتبع الخلف في اعتقادهم عندما خاضوا في مسائل العقيدة فأتوا بانحرافات كثيرة .

وأن لا يرضى بالتجميع على حساب العقيدة ، بل لابد من الالتقاء أولاً على عقيدة أهل السنة ، ثم يكون بعد ذلك العمل المشترك .

ومن معتقد طالب العلم متابعة الرسول (صلى الله عليه وسلم ) في كل صغيرة وكبيرة ، لنه قدوتنا وأسوتنا بين البشر جميعاً : ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) (الأحزاب:21) .

فيحرص على سننه الواردة في الجلوس ، والنوم ، والقيام ، والطعام ، والشراب ، والدخول للمنزل ، والخروج منه .

ويحرص على كل ذكر لله في تلك الأحوال ، ويطالع لأجل ذلك كتب الأذكار وهي كثيرة .

أما نوافل طالب العلم : فالأصل أن طلب العلم هو أعظم نافلة بعد الفرائض ، لأن نفعه متعدٍ إلى غيره من المسلمين وهو عام للأمة إذا خلصت فيه النية .

ولكن لابد أن يكون له حد أدنى من النوافل ، وهو الوارد في حديث أبي هريرة طالب العلم القديم رضي الله عنه عندما قال كما في الصحيحين : أوصاني خليلي ـ أي الرسول (صلى الله عليه وسلم ) ـ بثلاث لا أدعهن حتى أموت : صيام ثلاثة أيام من شهر ، وركعتي الضحى ، وأن أوتر قبل أن أنام .

ولابد أن يكون لك جزء من القرآن تقرأه كل يوم ، أو ما يقارب الجزء بحسب اجتهادك .

وأن يكون لك خلوات بنفسك تحاسبها وتسترجع شريط أعمالك لتنظر مواطن تقصيرك أو كسلك فتعالجها .

ولابد من هذه النوافل لطالب العلم ، لأنه بدونها يوف يقسو القلب ويضيق الصدر بكثرة الكلام دون روحانيات تلطف الحال .

ولكن يكون لك تأثير في الناس .

والواجب على طالب العلم أن ينفق من علمه كما ينفق من المال كما سبق ، كان بشر الحافي يمر على أهل الحديث فيقول لهم : يا أهل الحديث زكوا علمكم .

وقد صدق لأن العلم بدون زكاة ينقرض ، لأن الزكاة تنمي العلم كما تنمي المال .

ومن المستحب للطالب أن يعمل بكل حديث يمر عليه يتحدث عن سنة من السنن ولو مرة ليكون من أهله .

وكان الإمام أحمد يقول : لقد كتبت المسند وهو حوالي أربعين ألف حديث .. ما تركت حديثاً إلا عملت به .

قيل له : حتى حديث الغار عندما اختفى (صلى الله عليه وسلم ) في غار ثور عن الأعداء من قريش ؟

قال : نعم ، لقد اختفيت في غار بالكرخ عندما وقعت فتنة خلق القرآن !

والواجب على طالب العلم عدم التسرع في الفتيا كما يحدث في بعض الأحيان من بعضهم .

فإن البعض وللأسف يضع رجلاً على رجل في المجلس ويفتي في كبار المسائل وهو بعد لم يطر شاربه !

وليعلم أن نصف العلم هو لا أدري ، وكان على رضي الله عنه يقول عن لا أدري : ما أبردها على قلبي .

ولكن لا ينبغي أن يصل به الحال إلى درجة الوسوسة في الفتيا بأن يتورع عن الإفتاء في المسائل الأصولية والواضحة .

كأن يسأل مثلاً عن أركان الإيمان ، أو عن حكم شرب الخمر فيقول : لا أدري أسالوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون !

فهذا ورع بارد ، وإنما العدل أن يبصر الأمة بالعمل النافع الذي يحمله ، وأما جزئيات المسائل فإنه يحيلها إلى العلماء .

فالواجب أن لا يتعجل الطالب بالفتيا ، قال أحد التابعين لزملائه من التابعين : والله إنكم لتفتون في مسائل لو عرضت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه لجمع لها أهل بدر .

والإمام مالك على جلالة قدره سئل مسائل كثيرة فلم يجب إلا على ما يعلمه منها .

فغضب السائل وقال : نضرب إليك أكباد الإبل من بلاد بعيدة لتفتينا ثم تقول : لا أدري ، فقال له الإمام مالك : اخرج في الناس فقل لهم إن الإمام مالك لا يدري .

هكذا هو التواضع ، وهذه هي الثقة بالله عز وجل ، لأنه يعلم أن جاهه لا يسقط أمام الناس إذا أخبرهم بأنه لا يدري عما لا يدري ، بخلاف ما لو كذب على الله وأفتى بغير علم ، فإنه سينال الغضب من الله وسينال الخزي في الدنيا قبل الآخرة .

أخيراً : يلزم طالب العلم أن يكون متواضعاً موطأ للناس ، قال بعض أهل العلم : حق على طالب العلم أن يحثى بالتراب على رأسه .

وكان الإمام أحمد من جلالته ومحبة الناس له يحمل الحطب على رأسه في السوق ، فإذا أراد أحد حمله عنه استحيا وقال : ما نحن إلا قوم مساكين لولا ستر الله افتضحنا .

وسفيان الثوري كان يحصد الزرع بيده .

وقبل هؤلاء كان الأنبياء والرسل متواضعين جد التواضع ، فكلهم قد رعى الغنم ، ومنهم من كان حداداً ، ومنهم من كان نجاراً .

ونبينا (صلى الله عليه وسلم ) يأتي على رأسهم في التواضع ، فهو القائل : ( إنما أنا عبد ) .

وليعلم طالب العلم أن من تواضع لله رفعه ، وأن من تكبر على عباد الله واستعلى عليهم فإنه لاشك واضعه من أعينهم ، فهو ينال بعكس ما تمنى .

هذا ما جال في خاطري حول مسائل تهمني وتهم إخواني من طلاب العلم ، فإن أصبت فمن الله ، وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان .

والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

علم السلف وعلم الخلف

 

إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له .

وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا ً .

أما بعد فعنوان هذه الرسالة ( علم السلف وعلم الخلف ) واختير هذا العنوان ليرد على مقولة وضعها الفلاسفة والمناطقة وأهل علم الكلام يقولون فيما نقل عنهم ابن تيمية شيخ الإسلام ( طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم ) .

طريقة السلف أسلم : لأنهم في معتقد هؤلاء وعلى زعمهم يتوقون الدخول في المعمعات والمسائل والمشكلات ، ولا يستطيعون أن يخوضوا غمار المسائل التي تتساقط فيها عمائم الأبطال وتتكسر فيها النصال على النصال .

فيقول هؤلاء المناطقة والفلاسفة : السلف قوم مساكين لا يدخلون في هذه الغمار ولا هذه البحور ولا يعبرون هذه المحيطات التي نعبرها نحن فطريقتهم أسلم وطريقتنا أعلم وأحكم .

والرد عليهم بإيجاز :

أن يقال : طريقة السلف أسلم وأعلم وأحكم .. وطريقتكم أغشم وأظلم وأسقم ، وما وجد عند السلف إلا الأصالة والعمق واليسر .

ويوم وجد السلف كانت الدنيا مشرقة بنور العلم .. ويوم أتى المتعمقون من الخلف أتت التشقيقات في الكلام والبحث عن المسائل الشاذة .. حتى نسبوا لبعضهم أنه تساءل وقال : إذا خرجت سمكة من البحر فصلت بالناس ثم عادت هل تجوز الصلاة وراءها !!!

إذن ... فأصالة علم السلف أمر كالشمس .

قـد تـنـكر العـين ضـوء الشـمس مـن رمـدٍ            ويـنـكـر الفـم طـعـم المـاء مـن سـقم

فالسقيم هو الذي يقول أن علم السلف ليس بأصيل .

والسقيم هو الذي لا يفهم علم السلف .

علم السلف أصالته تأتي من الكتاب والسنة ... يتوضأ الصحابة والتابعون ويجلسون في حلقات ويحتبون بأيديهم على أرجلهم .. فلا قلم ولا دفتر ولا مسطرة ولا سبورة ولا طباشير .ز ويبدأون يتساءلون : قال الله قال رسوله .

ويقول مصنفهم ومؤلفهم :

الـعـلـم قـال الله قـال رســـولـه                       قـال الصـحـابة هـم أولـوا العـرفـان

ما العـلـم نـصـبك للـخلاف سـفاهة                       بـيـن الرســول وبـيـن رأي فــلان

ويقول الثاني من شعرائهم :

العـلـم مـا كـان فـيـه قـال حـدثـنا                     ومـا سـوى ذلك وسـواس الشـيـاطـين

فهم لا يفترضون المسائل التي لم تقع ، ولكنهم يبحثون في الواقع . وبعض الناس يسأل عن علم أو مسألة لم تقع وهو يجهل الأمور التي تقع كل أربع وعشرين ساعة .

جاء رجل إلى زيد بن ثابت فقال له : لو فعل رجل كذا وكذا فماذا عليه ؟

قال : أوقعت هذه المسألة ؟

قال : ما وقعت .

قال : اذهب إلى أهلك فإذا وقعت فتعال فاسألنا فيها لنتجشم الجواب !

مر أحد التابعين بتابعي آخر وهو يفتي ويسابق السائل في الفتيا .

فقال : لا إله إلا الله ، تفتي في كل هذه المسائل ؟

قال : نعم .

قال : والله الذي لا إله إلا هو ، إنكم لتفتون في مسائل لو عرضت على عمر رضي الله عنه لجمع لها أهل بدر .

كان السلف لأصالة علمهم لا يتعنتون في المسائل .

فعلمهم قليل لكنه مفيد نافع ، تسأله عن سؤال فإذا انتهيت قال : نعم ، أو إذا انتهيت قال : لا .

فإذا قلت : ما هو الدليل ؟

قال : رأيت الرسول (صلى الله عليه وسلم ) يفعل كذا ، أو قال الرسول (صلى الله عليه وسلم ) كذا وكذا .

وأما الخلف فعلم كثير بلا بركة ولا نفع .. قال حماد لأيوب : كثر العلم يا أبا تميمة .

قال : لا والله ما كثر العلم لكن كثر الكلام وقل العلم .

قال ابن القيم في الفوائد معلقاً : فانظر إلى هذا الحبر كيف فهم أن العلم قد قل وكثر الكلام .

أصالة علم السلف تنطلق من أمور : منها تحديد مسارهم في العلم ، فليس عندهم إلا آية أو حديث ولذلك نحن الآن عندنا علم سند ومصطلح وأصول فقه وعلوم قرآن وجغرافيا وتاريخ وتربية وعلم نفس ، فإذا خرج الإنسان وسئل عن حديث قال : لا أدري !

ومنها: يسر علمهم ، قال سبحانه وتعالى : (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) (القمر:17)  فعلمهم مبني على السهولة واليسر ، أما نحن فقد صعبوا علينا العلم .. فالإنسان يدرس أربعة عشراً عاماً أو ستة عشر سنة أو عشرين سنة ، فإذا تخرج قال له الأساتذة والدكاترة إن العلم لا زال بينك وبينه مراحل ، فالآن أنت أعطيت مفاتيح العلم فيجب عليك أن تحضر الماجستير ثم الدكتوراه ، ثم تعمل بحثاً وتحققه ، ثم تقابل بين المخطوطات لأنك إلى الآن لم تصل !!

يقول البراء بن عازب : أرسلني (صلى الله عليه وسلم )داعية إلى غدير الخرمات أعلم الناس .. وكنت أحفظ من سورة أسم ربك الأعلى إلى سورة الناس .

لكن الآن : الطفل الذي يلعب الكرة ولا يصلي العصر في الشارع يحفظ خمسة عشر جزءاً من القرآن لكن دون نفع لنفسه أو لأمته .. فما بالك بغيره .

الإمام مالك روى في كتابه الموطأ عن ابن مسعود قال : إنكم في زمان كثير فقهاؤه قليل خطباؤه .ز كثير من يعطي قليل من يسأل ، يحفظون حدود القرآن ويضيعون حروفه ، وسوف يأتي زمان كثير خطباؤه قليل فقهاؤه، يحفظون حروف القرآن ويضيعون حدوده كثير من يسأل قليل من يعطي .

فالصحابة يوم أرسلهم (صلى الله عليه وسلم ) دعاة معلمين كان عندهم شيء قليل من العلم ، لكن بارك الله فيه بالإخلاص وبقيام الليل وبكثرة الدعاء وبالابتهال .

أرسل (صلى الله عليه وسلم ) معاذاً إلى اليمن فكان معه ما يقارب ثلاثين حديثاً ، فجعله (صلى الله عليه وسلم ) قاضياً من القضاة الكبار . وما انتظره حتى يأخذ الماجستير أو الدكتوراه !

فنحن الآن نحضر الدكتوراه في العلوم الإسلامية من أمريكا وبريطانيا ! ولو جئت تسأل أحد هؤلاء الدكاترة عن سورة الفاتحة لأخطأ فيها !

فأين الدكترة والأبهة ؟

ولو قلت له : علم الأمة دينها .. الناس لا يعرفون الضوء .. ولا يعرفون الغسيل من الجنابة لقال لك : أنا دكتور كيف أعلمهم الوضوء والغسل ، أنا لا أفهم إلا في المحاضرات الجامعية !

وهذه خطة الأعداء ! عندما فصلوا العلم والعلماء عن عامة المسلمين فأصبح الناس في جهل عميم .

لما مات الخليل بن أحمد مخترع علم العروض .. رؤى في المنام فقالوا له : ما فعل الله بك ؟

قال : ما نفعني علم العروض ولو مثقال ذرة .

قالوا : ما فعل الله بك ؟

قال : أدخلني الجنة والحمد لله .

قالوا : بماذا ؟

قال : كنت أعلم عجائز في قريتي سورة الفاتحة .

أما المثال على صعوبة علم الخلف ، فإنك إذا أردت أن تدرس الحديث ستحتاج إلى أمور : أن تعرف الغريب في الحديث ثم تبحث في الرجال ثم شرح الحديث ، ولابد لك من أصول الفقه وأيضاً التفسير وعلوم القرآن .. إلى أن يشيب رأسك قبل أن تتعلم حرفاً .

وهذه مسالة أعراضها للفائدة لتبين لك ما سلف :

في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) : (الماء من الماء ) أي : لا يغتسل الجنب إلا إذا أنزل منياً ، أفتى بهذا كثير من السلف حتى أتى الناسخ وهو حديث عائشة : ( إذا التقى الختان فقد وجب الغسل ) .

واتفق عليه الناس ، حتى أتى المتأخرون فتكلموا عن الماء ومن أين أتى الماء ولماذا نسخ هذا الحديث ؟ ثم تكلموا في الحديث الآخر ثم كتبوا المتن ، ثم كتبوا شرحاً وحاشية ، ثم حاشية على الشرح ، ثم جاء أحدهم فاختصر الحاشية .. فلما اختصرها شرحها الآخر ، ثم اختصرها الذي بعده بحاشية !! إذن فمن يأخذ الفقه من كتب المتأخرين فإنه لا شك سيتبلبل ذهنه ويتشتت فكره ، إلا إذا كانت المسألة لم تطرق من قبل فلا بأس ، كمسألة البنوك الربوية وطفل الأنبوب ونحوها مما لم يتحدث فيه السلف بشيء .

ومنها : أن علم السلف يدور حول ثلاثة علوم : الفقه والتفسير والحديث .

يقول ابن حجر : العلوم أصولها : تفسير وفقه وحديث ، أما نحن فقد أشغلتنا العلوم التي لا نفع فيها ، وصرفتنا عن هذه العلوم ، كبحثنا في علم التربية أو الثقافة الإسلامية أو غيرها .. على حساب هذه الأصول .

فحبذا لو يكون بحث طالب العلم في ليله ونهاره يدور حول هذه العلوم الثلاثة ، وأما التوحيد والعقيدة فهو يدخل ضمن تلك العلوم الثلاثة .. بل هو أساسها لأن الله لا يقبل العمل من المرء ما لم يحقق توحيده ، ( فالتوحيد أولاً ) كلمة صائبة لبعض الدعاة .. لأن بعض الفرق والجماعات المعاصرة قد قصرت في هذا الجانب كثيراً .. واهتمت بالعلوم الأخرى على حسابه .. فتجد الرجل أشعرياً مثلاً لكنه مبدع في علم التفسير .. أو صوفيا لكنه محدث جهبذ ، فهو في لغتنا التي نعرفها ( مبتدع ) ولو أجاد في تلك العلوم لأنه قصر في الجانب المهم ألا وهو .. التوحيد .

ومنها : أن علم السلف علم تطبيق وخشية وخضوع لله فهم يطلبون العلم لوجه الله ، بخلاف غيرهم الذين طلب الكثير منهم العلم ـ إلا من رحم ربي ـ لغير وجه الله .. بل ليقال فلان عالم ، أو ليكتب اسمه على لافتات الكتب ، أو ليذكر في المجالس .. أو ما الله به عليم .

فالسلف رحمهم الله عرفوا المقصد من العلم وهو الخشية ، ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء) (فاطر: من الآية28) فحققوه ، أما الخلف فخلاف ذلك .

والسلف رحمهم الله لم يكونوا يجتهدون في التأليف وجمع الكتب على حساب العمل .. بل كان العمل بالعلم هو غايتهم الكبرى .

يقول ابن مسعود : كنا إذا تعلمنا عشر آيات لم نجاوزهن حتى نعمل بهن ، فنتعلم العلم والعمل .

ولذلك فيما يذكر كره الإمام أحمد كثرة التأليف ، وأما المسند فإنه جمعه ولم يؤلفه .

وكان يغضب إذا رأى التلاميذ يكتبون عنده ويقول : خذوا من حيث أخذنا .

لكن هذا اجتهاد منه رحمه الله .. وإلا فالكتب من أحسن ما يقتنى ، وتأليفها من أشرف الأعمال إذا صادف نية صالحة .

قال ابن الجوزي في صيد الخاطر : أخطأ بعض الزهاد من العباد يوم أتوا إلى كتبهم فأمروا بإحراقها عند الموت أو أغرقوها أو دفنوها ، والكتب من أعظم ما يذكر أعني الكتب النافعة لا المفسدة .

 

وها هنا مسألة وهي :

أن بعض الناس يقول لابد أن نستغني عن كتب الفقهاء السابقين وكتب الفقه المذهبي لأنها مشحونة بالرموز والغموض والأدلة الضعيفة .. وكل ينصر مذهبه .. ولابد من الرجوع إلى الكتاب والسنة دون ما سواها .

وقابل هؤلاء أصحاب التعصب المذهبي ممن يريدون العودة بالأمة إلى عصور التعصب السابقة(1) .. وقالوا لابد من حفظ متون هذه الكتب ومدارستها وأخذها بالتسليم لأن مؤلفيها أعلم منا وأفقه .

والوسط أن يقال أننا نقدر جهود الأئمة ولا نبخسهم حقهم جزاء ما قدموا للأمة لكن ينبغي أن تؤخذ أقوالهم وكتبهم دون تمحص أو تدقيق .

بل لابد من الرجوع مع ذلك إلى الكتاب والسنة لمعرفة الراجح ، لأن هذه الكتب لا تخلو من الأحاديث الضعيفة .

لأن بعضاً من الفقهاء لم يكونوا أصحاب خبرة بالحديث النبوي ولذلك وجدت في مؤلفاتهم بعض الآثار والأحاديث الضعيفة بل والموضوعة .

ويجب أن نحارب التعصب المذهبي والخلافات المذمومة بين أبناء الأمة فالأمر فيه سعة في الأمور الفقهية التي تختلف فيها الأدلة أمام الناظرين .. حتى تلتقي الأمة وتجتمع كما قال تعالى : ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا )(آل عمران: من الآية103).

ومنها : أن علم السلف منضبط بأصول وقواعد كلية تجمع جزئيات العلم ،وعلم الخلف كثرت جزئياته على حساب كلياته .

فالسلف يتكلمون في المسائل وعندهم أصول لها وقواعد تضبطها وهي من القرآن ومن السنة .

أما نحن إلا من رحم الله فنتكلم عن جزئيات ليس لها أصل يجمعها ولا كليات . فالسلف يربطون كل جزئية تقع بأصولها وكلياتها وهكذا كان علم ابن تيمية رحمة الله .

والله أعلم ، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

علم نافع وعلم ضار

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد آله وصحبه أجمعين .

أما بعد ..

من العلوم علوم نافعة ، ومنها علوم ضارة ن وهذه الرسالة سوف تجول بك حول هذين العلمين النافع منها والضار .

النافع لنسلك دربه ونزداد منه .

والضار لنعلمه فنحذره .

وهذا الموضوع خطير جدُ خطير ، ومهم غاية الأهمية .

وتأتي أهميته من ثلاث أسباب :

السبب الأول : أن الله عز وجل ميز في كتابه بين العلم الأصيل والعلم الدخيل ، وأن رسوله (صلى الله عليه وسلم ) فرق بين العلمين في حديثه الشريف ، وكذلك أصحابه والسلف الصالح رضوان الله عليهم جميعاً .

السبب الثاني : أن هناك عند المقصرين من أمثالي من طلبة العلم وغيرهم من باب أولى غبش وخلط بين العلم الأصيل والعلم الدخيل ، فهم يخلطون بين هذا وهذا ولا يميزون العلم النافع من العلم الضال ، ولا المفيد من غيره ، ولا الذي تأتي من ورائه الثمرة والذي لا ثمرة له .

والسبب الثالث : أن هناك خطورة جد خطورة من عدم التمييز بين العلم الأصيل والعلم الدخيل ، وكثير من الناس لعدم معرفته بفائدة العلم لا يحرص عليه ، ولا يجلس في مجالسه ، ولا يتعلم عند أربابه وأهله ، ولا يتعب نفسه في حفظ العلم ولا بالتفقه فيه أبدأً .

روى الزبيدي صاحب شرح القاموس أن أعرابياً قدم على عمر رضي الله عنه وأرضاه فقال له عمر : أتحفظ شيئاً من القرآن ؟ قال الأعرابي : نعم .. وظن أن عمر سوف يكتفي بهذا السؤال ولا يمتحنه بآخر .

قال عمر : اقرأ على أم القرآن ـ يعني الفاتحة ـ.

قال الأعرابي : والله ما أحفظ البنات فكيف أحفظ الأم !!

فضربه عمر بالعصا ثم أدخله الكتاب ليتعلم عند الصحابة .

وكانت طريقة السلف في تعلم الحروف الهجائية أنهم يبدؤن بأبجد هوز يعني جمع الحروف على هذه الطريقة حتى ينتهون من حروف الهجاء ، فأخذوا يعلمونه فما فقه حرفاً .

فلما سنحت الفرصة فر من المدينة خائفاً يترقب ، ثم قال شعراً وهو في الصحراء :

أتـيـت مـهـاجـرين فعـلمـوني                           ثـلاثـة أسـطـر مـتـتـابعـات

كـتـاب الله فـي ورق صـحـيـح                          وآيـات الـقـــرآن مــرتـلات

فـخـطـوا لي أبـا جـاد وقـالـوا                          تـعـلم سـعـفـصن وقـريشـات

ومـا أنـا والكـتـابة والتـهـجـي                  وما حـظ البـنـيـن مـع البـنات

فلقلة معرفة هذا الرجل بأهمية العلم الأصيل ما حرص على أن يتعلم ، وهو يصح شاهداً لمن لم يفهم ثمرة العلم فلا يحرص عليه .

ولذلك قال ابن الجوزي : يا ضعيف العزم لو علمت فائدة العلم لسهرت الليل وأظمأت النهار وجعلت نوافلك في العلم .

وفي كتاب الزهد للأمام أحمد بسند جيد عن معاذ أنه قال رضي الله عنه وأرضاه : تعلموا العلم فإنه مدارسته تسبيح ، وإن تعليمه يعدل الصيام والقيام ، وإن دعوة الناس إليه أفضل من الجهاد ، أو كما قال رضي الله عنه وأرضاه .

ومثل آخر لرجل ظن أن العلم الدخيل هو العلم الأصيل .

دخل عمر رضي الله عنه المسجد النبوي في المدينة فإذا رجل يقص على الناس بقصص من كتاب دانيال ، وهو كتاب قديم فيه خزعبلات وخرافات وكذبات .

فقال عمر : ماذا يقول هذا ؟

فقالوا : يقص علينا من كتاب دانيال .

فرجع عمر إلى بيته وأحضر درته التي تخرج الشياطين من الرؤوس .

ثم تخطى الصفوف ، فأخذ الرجل بتلابيبه فضربه ضرباً مبرحاً وقال : الله يقول : ( نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ) (يوسف: من الآية3) ، أنت تقص من خزعبلات دانيال أو كما قال .

وبعض الناس لا يهتم لا بالعلم الأصيل ولا بالعلم الدخيل ، ولا يحرص على التفقه بالدين ، أو أن يتعرف على الفرق بين العلمين .

وسوف نستقرئ الآن العلم الأصيل والعلم الدخيل من كتاب الله عز وجل ، ومن سنة الرسول (صلى الله عليه وسلم ) ، ومن أقوال الصحابة والسلف الصالح .

يقول عز من قائل عن العلم النافع ، وانظروا إلى لمحات الآية وما قبل الآية وما بعدها : ( أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُون ) (الزمر: من الآية9) .

قال أهل العلم : ذكر العلم هنا بعد قيام الليل فكأنه يقول : إن العلم النافع هو الذي يقيمك لتصلي في الليل ، أو يجعلك قانتاً خائفاً مخبتاً منيباً خاشعاً ناسكاً زاهداً ، فهذا هو العلم النافع .

ثم ماذا كان التعقيب ؟ لم يقل الله بعدها : لهم جنات النعيم أو هم يوقون النار إن شاء الله ، ولكن قال سبحانه وتعالى : ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُون)(الزمر: من الآية9) ، فلما ذكر النسك عقب بالعلم النافع ليبين كما سبق أن العلم الأصيل هو الذي يحمل العبد على خشية الله وعلى الإنابة إلى الله وعلى الزهد في الدنيا وعلى التقرب بالنوافل إلى الله .

فكأن معنى الآية : لا يستوي من يقوم الليل ويتهجد مع من لا يقوم الليل ولا يتهجد .

أثر أن ابن عباس رضي الله عنهما كان إذا قرأ هذه الآية بكى طويلاً وقال : ذالكم عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه .

لأنه من ذاك الجنس المذكور في الآية ، فهو دائماً قانت لله أو ساجد أو قارئ للقرآن .

ولذلك يقول حسان رضي الله عنه وأرضاه :

ضــحـوا بـأشـمـط عـنـوان الـسـجـود بـه

يـقـطــع الـلـيـل تـســبـيـحـاً وقــرآنا

أي أنهم ضحوا بشيخ كبير كان من عادته أنه يتلو القرآن ليلاً ويسبح لله كثيراً .

وورد أن عثمان رضي الله عنه وأرضاه قام ليلة كاملة من بعد صلاة العشاء إلى الفجر قرأ فيها القرآن كاملاً .

فانظر إلى العلم النافع كيف دفعه إلى أن يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه .

إذاً الفائدة من هذه الآية أن العلم النافع يقودك إلى الخير ، والعلم الضار لا ينفعك ولا يقربك ولا يجعلك تحذر الآخرة ولا ترجو رحمة الله ولو حفظ الإنسان المتون .

وقال سبحانه وتعالى : ( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)(المجادلة: من الآية11) .

لنقرأ ما قبل الآية لنتبين ما هو العلم الذي يقصده سبحانه وتعالى ؟ أهو الحفظ ؟ أهو الشهادات ؟ أهو كثرة التبجح بالمقامات والمنظومات والمؤلفات والمصنفات ؟ أم ماذا ؟

يقول عز من قائل قبل هذه الآية : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ )(المجادلة: من الآية11) ، قال أهل العلم : ذكر الله العلم هنا بعد الأدب ، لأن الأدب علم .

وكثير من الطلاب يتعلم ولكنه لا يتأدب في صلاته ، ولا يتأدب في زيارته لاخوانه وأحبابه ، ولا يتأدب في جلوسه في المجلس ، ولا يتأدب في استئذانه ولا في قيامه ولا في جلوسه ، ولذلك قال عز من قائل : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا ) (المجادلة: من الآية11) هذا من الأدب الذي يحض عليه الله عز وجل ، ثم قال : ( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ) وعطف عليه (وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ )لأنهم يتفسحون وينشزون ويتأدبون .

إذا نأخذ من هذه الآية أن الأدب علم يعبد به الله عز وجل ، ولذلك عقد ابن القيم في كتاب مدراج السالكين باب الأدب وتبع في ذلك شيخ الإسلام الهروي لأنه قال : ومن منازل (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة:5)  منزلة الأدب .

والأدب هو حفظ الجوارح مع الله ، بأن تكون إذا خلوت بالله كنت أشد حياء له منك إذا كنت من الناس .

وقيل : هي أن تحس مرادك مع مراد الله .

قال معاذ رضي الله عنه وأرضاه في الأدب : ما بصقت عن يميني منذ أسلمت .

وقال أحد الناس : ما مددت رجلي تجاه القبلة منذ عرفت يميني من شمالي .

ونستفيد من الآية أيضاً أن من لم يتأدب فاته العلم الأصيل واكتسب العلم الدخيل .

وقال عز من قائل : (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ) (القصص:80)  .

أما الإيمان فلأنهم آمنوا بالله وبرسل الله وبكتبه .

لكن ما السبب أن الله وصفهم بالعلم هنا ؟

سبب ذلك أن قارون خرج على قومه في زينته وكان يملك الملاين والكنوز ، فقال الذين يريدون الحياة لما رأوا أبهته ومنظر الدنيا : ( يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)(القصص: من الآية79) ، فهؤلاء علمهم دخيل أحبوا الدنيا فحسدوا قارون عليها لأن عنده مال وغفلوا عن طاعة الله وعن حفظ حدود الله .

فقال أهل العلم وهم أصحاب العلم الأصيل : ( وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ)(القصص: من الآية80).

وسماهم أصحاب علم ، لأن الزهد بالدنيا والإعراض عن الدنيا وطلب ما عند الله هو من العلم الأصيل .

وقال تعالى وهو يطلب من رسوله (صلى الله عليه وسلم ) التزود من العلم الأصيل : ( وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً)  قالها بعد قوله : ( وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً) (طـه: من الآية114) .

لكي لا يسمعها أحد من الناس فيقول ربما يدخل في ذلك علم الفلك وعلم النجوم وعلم الأنساب ومعرفة القبائل وبطونها وأفخاذها وأسرها وعشائرها .

فلذلك قال تعالى:( وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً) (طـه: من الآية114) ليبين أن العلم النافع هو القرآن .

وقال عز من قائل كذلك في سورة آل عمران : ( شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (آل عمران:18) .

وسماهم بأولى العلم لأنهم شهدوا بالوحدانية لله .

فعلم التوحيد علم أصيل لهذه الآية الكريمة .

وقال عز من قائل : ( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّه)(محمد: من الآية19) ، وهذا العلم هو علم التوحيد أيضاً ، وهو علم العقيدة ، فهو أصيل وغيره دخيل .

وقال عز من قائل : ( وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ) (العنكبوت: من الآية43) ، وأتت بعدها (خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) (العنكبوت:44)  ، فدل على أن التفكر والتدبر في آيات الله من العلم الأصيل .

وأن من لم يتدبر ويتفكر في آيات الله فعلمه دخيل .

وقال عز من قائل : ( بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ )(العنكبوت: من الآية49) .

وهذه الآية لها معنيان :

فالمعنى الأول : (بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ )(العنكبوت: من الآية49) ، أي أن هذا القرآن آيات واضحات محفوظة في صدور الذين أوتوا العلم .

فهذا دليل على فضل الحفظ .

والمعنى الثاني : (بَلْ هُوَ آيَاتٌ ) وهذه الآيات (بَيِّنَاتٌ ) أي معانيها بينة (فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ) ، أي أنها مشروحة في صدورهم ويعرفون معانيها .

وقال عز من قائل حكاية عن موسى والخضر : ( هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً)(الكهف: من الآية66) ، ويقصد موسى بذلك تعلم العلم النافع .

أما السنة : فالرسول (صلى الله عليه وسلم ) كثيراً ما يتحدث عن العلم الأصيل .

يقول (صلى الله عليه وسلم ) في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وأرضاه قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) ( مثل ما بعثني به من الهدى والعلم كمثل الغيث ) ، لماذا قال الهدى ؟ ولماذا قال : العلم ؟ ألا يكفي أن يقول العلم ؟ أو أن يقول الهدى ؟ فيكتفي بإحداها عن الأخرى .

يفعل ذلك لأن بين الكلمتين فوق في المعنى .

فالهدى هو العمل الصالح ، والعلم هو العلم النافع .

ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ما معناه : لقد بعث الله محمداً (صلى الله عليه وسلم ) بالعلم النافع والعمل الصالح ، لأن النصارى عملوا لكن عملهم ليس بصالح ، واليهود تعلموا لكن علمهم ليس بنافع .

أما قال الله عز وجل في النصارى ( وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ ) (الحديد: من الآية27)، فأضلهم الله لأنهم عملوا بلا علم .

وأما اليهود فقال عز من قائل : ( فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ )(المائدة: من الآية13) ، لأنهم تعلموا العلم ولم يعملوا به .

وفي اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية : أن سفيان بن عيينة قال : من فسد من علمائنا ففيه شبه باليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه بالنصارى .

قال (صلى الله عليه وسلم ) : ( مثل ما بعثني به من الهدى والعلم كمثل الغيث ) ، ولم يقل المطر .

قال أهل العلم : اختار (صلى الله عليه وسلم ) كلمة ( الغيث ) لأنه (صلى الله عليه وسلم ) يحسن الاختيار، واختصر له الكلام اختصاراً ، وهو الذي يجيد صنع الكلمة المؤثرة .

مــا بـنـى جــمــلـة مـن اللــفــظ إلا

وابـتـنـى الـلــفــظ أمــة مـن عــفـاء

استخدم الغيث بدلاً من المطر ؛ لأن المطر استخدم في القرآن في العذاب ، يقول عز من قائل : (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ) (الشعراء:173) .

وأما الغيث فاستخدم في النفع وفي الفرح .

والعلم يشابه الغيث في ثلاث صفات :

الأولى : صفاؤه ونقاؤه .

الثانية : أن فيه معنى الغوث ، فهو يغيث القلوب والأرواح .

الثالثة : أن كلاهما مرسل من الله عز وجل .

قال : (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث أصاب أرضاً ) ، وهذه الأرض هي الأمة الإسلامية وغير الإسلامية ، ( فكان منها نقية أو طيبة قبلت الماء فأنبت الكلأ والعشب الكثير ) هؤلاء هم أهل الفهم وأهل الحفظ وأهل الدعوة ، ( وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها ) .

هؤلاء أهل الحفظ للعلم الذين لم يؤدوه لغيرهم فهم نفعوا أنفسهم ، ( وكان منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ ) ، وهؤلاء لا حفظوا ولا تفقهوا ولا تعلموا ولا علموا ولا تبصروا .. نسأل الله العافية والسلامة .

ثم قال (صلى الله عليه وسلم ) حاكماً على الطوائف الثلاث : ( فذلك مثل من نفعه الله بما أرسلني به فعلم وعلم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به ) .

نستفيد من الحديث أن العلم النافع الأصيل هو الذي ينفع صاحبه وينفع الأمة الإسلامية ويقرب إلى الله ، وأن العلم الدخيل هو ما كان بضد ذلك ، فلم ينفع صاحبه أو الأمة بل يرديهم في الهلاك .

ويقول (صلى الله عليه وسلم ) كما في الصحيحين من حديث معاوية رضي الله عنه وأرضاه قال : سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) يقول : ( من يرد الله به خيراً يفقه في الدين ) .

دل الحديث على أن الفقه في الدين وتعلم أحكام الدين وأسراره هو العلم الأصيل .

ولذلك يقول بعض أهل العلم : أثر عن بعض الصوفية أنه كان في بيت المقدس له زاوية ، فلما فرغ من صلاة العشاء ذهب إلى زاويته ، وقام عالم من العلماء يدرس الطلاب في المسجد .

وكان يشرح في كتاب الحيض من أحد كتب الفقه المعتمدة .

أما ذاك الصوفي فاستغرق في ذكره المبتدع ( حي .. حي .. حي ) من بعد العشاء إلى قبيل الفجر .

وأما ذلك العالم فهو بين تحقيق المسائل للطلاب والإجابة عن أسئلتهم .

فلما صلياً سوياً قال الصوفي : لقد وصل الواصلون وأنت لا زلت في الحيض ‍

فقال العالم : كيف ؟

قال : لقد قلت بعدك ( حي .. حي .. حي ) لا أدري ألف مرة أو أكثر .

قال : لنسأل عالم المسلمين في عصرنا لعله يجيب على هذا ويفصل بيننا .

فذهبا إلى عالم المسلمين في وقته فقالا له الخبر .

فقال له الصوفي : لقد وصل الواصلون وهذا لا زال مع الحيض والنفاس ‍

فقال العالم : نعم وصل الواصلون من أمثالك إلى سقر ‍

لماذا ؟ لأنه عطل نفسه عن العلم النافع .

ولأنه ابتدع ذكراً ما أتى به (صلى الله عليه وسلم ) .

ولذلك يقول الإمام الشافعي رحمة الله : لأن أجلس أتعلم حديثاً خيراً من أن أصلي ركعة .

وسأله سائل : أأتعلم الحديث أم أصلي وأتنفل ؟

قال : تعلم الحديث .

ويقول (صلى الله عليه وسلم ) في العلم الأصيل : ( العلم ثلاثة وما سوى ذلك فهو فضل : آية محكمة ، أو سنة قائمة ، أو فريضة عادلة )(1) . روى هذا الحديث أبو داود ورواه ابن ماجه وفي سند ابن ماجه ابن لهيعة وهو رجل ضعيف فاضل عابد ، لكن دخل عليه الضعف من احتراق كتبه فضعف سنده .

وأما سند أبي داود ففيه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي وهو ضعيف .

ولكن ربما تعتضد هذه الرواية ، فدل كلامه (صلى الله عليه وسلم ) في هذا الحديث على أن العلم الأصيل عند المسلمين يدور بين الكتاب والسنة وعلم الفرائض ن وأما غيرها من العلوم النافعة فهي في المرتبة الثانية بعد هذه .

أما العلم الدخيل فقد قال زيد بن أرقم : سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) يقول : ( اللهم أعوذ بك من علم لا ينفع ، ومن نفس لا تشبع ، ومن دعوة لا يستجاب لها ) رواه مسلم ، وزاد الأربعة : ( ومن دعاء لا يسمع ) ، فتعوذ (صلى الله عليه وسلم ) من علم لا ينفع وهو الدخيل .

وقال (صلى الله عليه وسلم ) كما عند ابن ماجه: ( سلوا الله علماً نافعاً ) ، فإنه ربما يكون العلم غير نافع.

وكان (صلى الله عليه وسلم ) كما في الترمذي عن أبي هريرة يقول : ( اللهم انفعني بما علمتني ، وعلمني ما ينفعني ، وزدني علماً ) .

فالعلم النافع الذي يريده (صلى الله عليه وسلم ) هو علم الكتاب والسنة والفرائض .

والعلم النافع بارك الله فيكم أبواب وفصول سوف أتحدث عنها إن شاء الله .

ذكر البخاري رحمة الله في كتاب الأدب من صحيحه أن عبد الله بن عون قال : ثلاث أحبهن لإخواني .

قيل : ما هي ؟

قال : هذا القرآن أن يتعلموه ويعملوا بما فيه .

والسنة أن يتفقهوا فيها .

وأن يدعوا الناس إلا من خير .

والعلم النافع عند الصحابة أو عند السلف الصالح كما يقول ابن رجب يدور على ثلاث نواحي :

أولها : القرآن ، فهو أصل العلم الأصيل .

ومن لم يهتم بالقرآن فما نفعه علمه ، بل علمه وبال عليه ، ولذلك قال شعبة بن الحجاج : يا أهل الحديث ما لكم كلما تقدمتم في الحديث تأخرتم في القرآن ؟

فبعض الناس لسوء فهمه وتدبيره نسأل الله العافية إذا أتى يطلب العلم قدم كتب البشر على كتاب الله .

فهو ربما حفظ الفرائض وعرف القسمة والضرب ن ولكنه لا يحفظ جزءاً واحداً من القرآن .

كان السلف إذا طلب أحدهم العلم قالوا : أحفظت من القرآن ؟

فإن قال : نعم .. علموه وفهموه ودرسوه .

وإن قال : لا ، قالوا له : عد فتعلم القرآن .

فالعلم الأصيل هو علم القرآن ن ولذلك يقول (صلى الله عليه وسلم ) لأبي بن كعب ك أي آية في كتاب الله أعظم ؟

فقال : الله ورسوله أعلم .

فقال (صلى الله عليه وسلم ) : أي آية في كتاب الله أعظم ؟

قال : (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ )(البقرة: من الآية255) ، فأخذ (صلى الله عليه وسلم ) بمجامع يده وضربه على صدره وقال : ( ليهنك العلم أبا المنذر )(2) .

فالعلم هنا هو القرآن ن دل عليه كلامه (صلى الله عليه وسلم ).

ولذلك بارك الله فيكم يقول عز من قائل : ( بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) (العنكبوت: من الآية49) ، فسماه علماً نافعاً أصيلاً .

والعلم الثاني : أو المعنى الثاني يدور عليه علم الصحابة هو علم السنة .

ومن فرق بين القرآن والسنة فهو خارجي مارق ؛ لأن السنة هي صنو القرآن ورفيقه في الأحكام .

صح عنه (صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : ( رب رجل شبعان ريان على أريكته يأتيه الأمر من أمري فيقول : حسبكم القرآن ما وجدتم في القرآن من حلال فأحلوه ، وما وجدتم في القرآن من حرام فحرموه ، ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه )(1) يعني السنة .

فمن قال : يكفينا القرآن فقد ضل وجهل .

وهذه المقولة لا يقولها إلا خارجي كما قلت ، أو جاهل لا يعرف قدر السنة .

قال تعالى مخاطباً الرسول (صلى الله عليه وسلم ) : ( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) (النحل: من الآية44)، فهو (صلى الله عليه وسلم ) يبين للناس معاني القرآن وتفصيلاته مما لا يوجد في القرآن ، كعدد الركعات في الصلوات ، أو أنصبة الزكاة ، أو طريقة الحج .

والمعنى الثالث : أو الميزة الثالثة لعلم الصحابة بعد تركيزهم على القرآن والسنة أن علمهم يسير غير سهل غير متكلف ، بإمكان المرء الحصول عليه دون تعقيد أو تطويل ، أما علم غيرهم فقد صعبوه على الناس وأكثروا فيه من الآصار والأغلال التي ما أنزل الله بها من سلطان .

فلذلك أعرض كثير من الناس عن العلم بسبب ذلك ، بل إن منهم من وضع شروطاً للمجتهد مثلاً لا تنطبق على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ‍‍‍‍‍! يجب أن يحفظ القرآن والأحاديث واللغة والسنة وأصول الفقه والمنطق و.. و.. إلخ .

لماذا كل هذا ؟ والله يقول : (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) (القمر:17)  .

قال مجاهد : ولقد يسرنا طلب العلم فهل من طالب للعلم .

فأبو بكر مثلاً روى ما يقرب من مائة وخمسين حديثاً في كتب السنة فقط ، ولكنها أفضل وأنفع للأمة من كثير من العلوم التي استجدت وأتعبت العقول وأكلت الأذهان وأسقمت الأجسام في تعلمها .

روى سعيد بن منصور في السنن أن ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه قال : يا أيها الناس عليكم بأصحاب محمد (صلى الله عليه وسلم ) ، فأنهم أبر الأمة قلوباً ، وأصدقها لهجة ، وأعمقها علماً ، وأقلها تكلفاً .

فالعمق في العلم هو المعرفة ومعرفة المقاصد .

ومن ميزة علم الصحابة : أنه علم يطلب للعمل ولا يقصد به التباهي أو المراءاة أو المماراة .

فهو علم عملي .

يتعلم الليلة فبعمل غداً بما تعلم .

فلذلك كانوا لا يتعلمون إلا ما ينفعهم دون ما لا يدعوهم إلى العمل .

أما نحن فنسأل الله العافية ، فإننا خضنا في أشياء لا تنفعنا عملاً ولا تثمر لنا تقوى ولا ورعاً ، بل نظل نسأل ونبحث عن أشياء جدلية تدور في حلقة مفرغة . فبعضنا يسأل عن دوران الأرض ن وآخر يسال عن أطفال المشركين هل يدخلون النار أم لا ؟ وهكذا من الأسئلة العقيمة التي لا تنفع المسلم إن لم تشغله عن الخير .

أتى رجل لزيد بن ثابت فسأله مسألة ، فقال : أوقعت هذه المسألة ؟

قال : لا

قال : إذا وقعت تعال نتكلف الجواب .

وأكثر المسائل الآن كما يقول أهل العلم ما وقعت .

يأتي أحد الناس فيقول مثلاً : لو صليت خلف الصفوف ثم توهمت أنهم يصلون الظهر وهم يصلون العصر ماذا أفعل ؟ والقصة لم تحدث له من الأساس !

فتأتي أنت تتكلف الجواب .

فلماذا التشاغل بشيء لم يحدث ؟

ومن التكلف ما فعله أهل التفسير في بعض قضايا القرآن ، كلون كلب أهل الكهف ! أهو أحمر أم أبيض ؟ والله يقول بعدها : ( فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِراً )(الكهف: من الآية22) يقول : لا ينفعك معرفة عددهم أو لون كلبهم ، إنما خذ العبرة من القصة واعلم أنها وقعت .

والعلم الأصيل يدل على أربعة أمور :

أولها : على معرفة الله تبارك وتعالى وعلى أسمائه الحسنى وصفاته العلا .

فإذا لم يدلك العلم النافع على معرفة الله فليتك ثم ليتك ما عرفت .

فالعلم النافع الذي يدللك على معرفة الحي القيوم ، فتعرفه ليس كمعرفة اليهود والنصارى الذين يعرفونه سبحانه لكنهم يجاهرون بمعاصيه .

إنما المعرفة هي الخشية : ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ )(فاطر: من الآية28).

ثانياً : معرفة ما يحبه ويرضاه تبارك وتعالى .

وهي ثلاثة أقسام :

ففي العقائد : معرفة عقيدة أهل السنة والجماعة .

وفي الظاهر : معرفة الحلال والحرام .

وفي الباطن : معرفة اعتقاد القلب بالتحلي بالصفات الجميلة وترك الصفات القبيحة .

ثالثاً : دعوة الناس إلى هذا العلم بأن تحرص على نشره بين الناس وتحرص على تبليغه ولا تكتمه ولا تتحجر عليه ، ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) (البقرة:159) ، فنعوذ بالله من كتمان العلم ، ( إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (البقرة:160)  .

 

·       العلم الدخيل :

أما العلم الدخيل فيقول عز من قائل : ( وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) (البقرة:78) ، حكاية عن بني إسرائيل وعن كل من شابه بني إسرائيل .

(لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ ) ، يعني لا يعرفون من كتابهم إلا تلاوته فقط دون فهم ولا استنباط ولا خشية ولا عمل .

فهم يمرون مراً على الآيات دون تدبر لها .

قال الشاعر :

تـمـنـى كــتـاب الله أول لـيـلـه               وآخـره لاقـى حـمـام المـقـادر

يقول في عثمان رضي الله عنه ، أي تلى كتاب الله في أول الليل وقتل في آخره رضي الله عنه .

قال ابن عباس : ( وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) (البقرة:78)، قال يكذبون كذباً ز

وقال مجاهد والضحاك ك زوراً وبهتاناً .

وقال ابن جرير : الأشبه بالآية أن معناها أنه لا يعرف من القرآن إلا ما يكذب به الناس أو يقول زوراً .

والأشبه أيضاً أن منهم من لا يعرف الكتاب إلا تلاوة بلا تدبر ولا فقه ولا فهم ، (وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ) ، يعني يتخيلون ويويوسون .

وقال عز من قائل : ( وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ )(البقرة: من الآية102)، أي علم السحر ، ونعوذ بالله من علم السحر فهو من العلوم الدخيلة .

وهو من الكبائر عند جمهور أهل العلم .

وحد الساحر ضربة بالسيف .

وقال تعالى في علم دخيل وعالم دخيل ما نفعه علمه : ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (لأعراف:176)  .

وهذه الآية كقوله :

إيــاك أعــنـي واســمـعـي يـا جــارة

فهذا الرجل عالم من علماء بني إسرائيل كان علمه دخيلاً وليس بأصيل . أسمه ( بلعام بن باعوراء ) كما يقول ابن كثير وغيره من المفسرين ، تعلم من علم التوراة ، فعلم الله الخبث في قلبه والخسيسة في نفسه ، فكفر بما أنزل الله على رسوله ، واستبدل بالعلم وتبليغه الدنيا وزينتها ، فعاد خائباً خاسراً .

فالله عز وجل يقول لرسوله : ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ)(المائدة: من الآية27) أي على قومك بأن لا يكونوا مثل هذا الناكص على عقبيه .

قوله : ( مِنَ الْغَاوِينَ ) لأنه أصبح يغوي غيره .

وهذا كشأن علماء الضلال الذين أغووا الشعوب والأمة بفتواهم التي تبيح الحرام وتسهله أمام الناس ليقعوا فيه ، ويحتجون بأقوال هؤلاء العلماء أو رؤساء الضلالة .

ولذلك فأكثر الناس الذين يقعون في المعاصي إنما يحتجون بقول فلان وعلان ممن أفتوهم بجواز أفعالهم تلك . ولهذا قال سبحانه : (الْغَاوِينَ ) .

قوله : (وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا ) ، أي لو علمنا في الرجل خيراً لكنا رفعنا رأسه بالعلم .

(وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ ) فأحب التراب وعشق الدنيا والمنصب .

(وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ) فلم يعد يرى إلا هواه ، فهو ممن عبد هواه واتخذه إلهاً .

ثم مثله الله بأخس حيوان وهو الكلب الذي يلهث عند الظمأ وعن الارتواء .

فهو مثله في عدم التغير ولو تعلم العلم .

وقال تعالى : ( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ) (الجاثـية: من الآية23) ، أي أن عنده علماً لم ينفعه هذا العلم الدخيل ، ولذلك أراده وجعله يتبع هواه .

وقال تعالى : ( فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْم)(غافر: من الآية83) ، أي فرحوا بالعلم الدخيل الذي لم ينفعهم وظنوا أنه لا يوجد غيره من العلوم .

إذاً .. فالعلم الدخيل هو كل علم لا يحقق لك فائدة دنيوية أو أخروية ، ولا يقربك من الله ، بل يرديك ويضلك عن منهج الله .

كما في قوله تعالى : ( يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) (الروم:7) ، أي أنهم من كبار العلماء في مسائل الدنيا وأمورها ، ولكنهم عند العلم الذي يقربهم إلى الله زلفى لا يفقهون حرفاً واحداً .

ومن العلوم الدخيلة : علم النسب ، أي التعمق فيه ، لقوله (صلى الله عليه وسلم ) لما سئل عن رجل يعلم هذا العلم : قال : ( ذاك علم لا ينفع ، وجهالة لا تضر ) ، ذكره ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله وقال : الأشبه أنه موقوف ، وذكره السمعاني في الأنساب .

أما قوله (صلى الله عليه وسلم ) ( تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم ) ، فرواه أحمد والترمذي والحاكم بسند صحيح .

أي أن هذا حده بأن يدلنا على أنسابنا لنزورها ، وما زاد على ذلك فهو تكلف .

فبعض الناس هداهم الله يفني عمره في هذه الأنساب : قبيلة فلان جاءت من ذاك المكان وتفرعت إلى بني فلان وبني علان ، وفلان يرجع نسبه إلى فلان وهكذا .

وهم لم يخصصوا جزءاً يسيراً من وقتهم لتعلم القرآن أو قراءته أو تعلم السنة النبوية التي هي تنفعهم أكثر من هذا العلم .

ومن العلوم الدخيلة : علم النجوم ، قال (صلى الله عليه وسلم ) : ( من اقتبس شعبة من النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد ) ن رواه الطبراني وأبو داود وابن ماجه بسند صحيح .

قال قتادة : للنجوم ثلاثة فوائد : هداية المسافر : ( وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) (النحل: من الآية16) ، وزينة للسماء : ( إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ) (الصافات:6) ، ورجوماً للشياطين : ( وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ) (الصافات:7)  .

فمن زاد على هذه الثلاث فقد خسر دينه في الآخرة أو كما قال رحمة الله .

ومن العلوم الدخيلة : كما سبق : التكلف والتنطع عند تفسير آيات الله .

وعدم الدخول في متاهات الفلسفة ومصطلحات أهل العلوم المخالفة للكتاب والسنة ، أو تحميل آيات الله ما لا تحتمل ، كمن يفسر قوله تعالى : ( انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ) (المرسلات:30)  بأنه دليل على أن المثلث له ثلاث زوايا !

ومن العلم الدخيل والمذموم : تكثير الكلام دون فائدة ، وترك قلة الكلام بالفائدة .

قال رجل لأيوب السختياني : يا أبا تميمة لقد كثر العلم .

قال : لا والله ما كثر العلم ولكن كثر الكلام .

والآن كثر الكلام وكثرت المجلدات ولكن دون نفع أو فائدة ن ولو سالت كثيراً ممن يجمع تلكم المجلدات عن فائدة من الفوائد لما استطاع أن يأت بها .

ولذلك يقول ابن رجب بأن السلف كانوا أقل الناس كلاماً لكنهم أصوبهم رأياً .

ومن العلوم المذمومة قديماً وحديثاً علم الكلام الذي ظهر في القرن الثاني أو الثالث .

قيل لابن الصلاح كما في فتاويه : ما رأيك في علم الكلام ؟

قال : علم الكلام يظلم قلب العبد إذا تعلمه ، ويصده عن معرفة الشريعة ، ويطمس نوره ، ويخسئ فؤاده ، ويبلد ذهنه ، ويصده عن معرفة كنوز السنة .

وعلم الكلام علم محرم أرى أن يؤدب من تعلمه .

قيل للشافعي : ما رأيك في علم الكلام ؟

قال : العلم بعلم الكلام جهل ، والجهل به علم ، وحكمي في أهل علم الكلام أن يضربوا بالنعال ويطاف بهم في العشائر والقبائل ويقال : هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على علم الكلام .

يقول ابن كثير في ترجمة نصير الطوسي الذي كان من أبرز من أسس علم الكلام عندنا ، قال : بأنه كان يعطي كل من يقرأ صفحة من علم الكلام ثلاث دراهم في اليوم .

والذي يقرأ حديث محمد (صلى الله عليه وسلم ) يعطيه نصف درهم !!

فاشتغل الناس بعلم الكلام .

وقال ابن تيمية : إن الله لا يغفل عن المأمون الخليفة العباسي جزاء ما أدخل على الأمة من علم الكلام .

ومن العلم الضار ـ بارك الله فيكم ـ تقديم العقل على النقل ، وهو الذي حمل البعض على نفي صفات الله أو تأويلها .

ومن العلوم الدخيلة : علوم الباطن التي أتى بها غلاة المتصوفة ، فعبدوا الله بالتشقيق وبالتدقيق ، حتى بلغ بهم الحال إلى أن تزندقوا وألحدوا وخرجوا من الدين جملة وتفصيلاً .

ويلحق بهذا التعمق والتكلف في الواردات التي تخطر بالنفس كما في كتاب (الرعاية ) للمحاسبي و ( قوت القلوب ) للمكي .

ومن العم الدخيل : الخوض في القضاء والقدر .

خرج (صلى الله عليه وسلم ) على الصحابة وهم يخوضون في القدر فغضب وتغير وقال ( أبهذا أمرتم أم بهذا بعثتم )(1) ؟ .

ثم نهاهم (صلى الله عليه وسلم ) عن ذلك .

ومن العلوم الدخيلة : التعصب المذهبي دون دليل من المعصوم أو من كتاب الله .

ومن العلوم الدخيلة : الإسراف في ما يسمى ( بالفكر الإسلامي ) ، وهذا اسم عليه ملاحظات ، فليس في الإسلام فكر بل هو النصوص . وأما ( الفكر ) فلا بأس أن يطلق على الرجل لأنه صاحب فكر .

فالفكر هذا يصرف الإنسان عن العلوم النافعة ويجعله يخوض في قضايا تتأرجح بين الشد والجذب ولكل إنسان فيها رأي ، فيقسو قلبه لكثرة مطالعاته لها لأنه لا يكاد أن يمر فيها بآية أو حديث فضلاً عن أن تربي قلبه وتزكيه .

فنصيحتي للإخوة الانصراف عنها إلى ما ينفع الأمة من علوم الكتاب والسنة .

ومن العوم الدخيلة : كثرة التعمق في النحو ، لأنه من علوم الوسائل لا المقاصد .

فالواجب أن يأخذ منه الإنسان ما يقوم لسانه ويصوب بيانه ، وهو كالملح في الطعام إن أكثرت منه أفسده .

أسأل الله لي ولكم علماً نافعاً ، وأن يجنبنا العلم الخيل الطارئ على أمتنا ، وأن يعجل بانقضائه .

والله أعلم ، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

كلمات عن مؤلفات

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين ولي الصالحين ، مالك يوم الدين ، والصلاة والسلام على إمام المتقين ، وقدوة السالكين ، وحجة الله على الهالكين وعلى آله وصحبه والتابعين ، أما بعد .:

فهذا كتاب يحمل عنوان : ( كلمات عن مؤلفات ) ، جمعت فيه فوائد ، ونظمت في عقيده قلائد ، وقيدت في حبله أوابد ، وأعفيت نفسي فيه من الرتابة ليكون خفيفاً على الروح سهلاً على المطالع ، جذاباً للعشاق ن فعسى الله أن ينفعني به والقراء يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

فضل العلم

 

لا شك أن طلب العلم من أفضل الأعمال ، قال الله تعالى : ( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات)(المجادلة: من الآية11) الآية .

ولا عمل إلا بعلم لقوله تعالى : ( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ) (محمد: من الآية19) الآية .

وهو ميراث الأنبياء ، روى الإمام أبو داود وغيره عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) يقول : ( من سلك طريقاً يبتغي فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة ، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضي بما يصنع ، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء . وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب ، وإن العلماء ورثة الأنبياء ، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر )(1) .

فهذا الحديث جمع أصنافاً من الفضائل يجب على طالب العلم أن يحفظه في صدره ويجعله مشعلاً يضيء قلبه مع الإيمان الصادق ، فكلما أحس بفتور وكسل عن الطلب تذكر هذا الحديث .

ولذا كان العلم الشرعي أفضل العلوم . ولكن لا يستغنى عن العلوم الدنيوية الأخرى ، فمن يعالج الناس ؟ ومن يصلح للناس مراكبهم ؟ ومن يقود الطائرات ؟ فنحن بحاجة للطبيب والمهندس والطيار حتى نكتفي بهم عن غير المسلمين ، ومن جمع بين العلمين فهو حسن .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أمور مهمة لطالب العلم

 

أولاً الإخلاص :

        هو ميزان الأعمال ، بل لا يكون الجزاء إلا عليه ؛ فإن الله لا يقبل إلا ما كان له خـالصاً ، قال تعالى : (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ )(البينة: من الآية5) . ولا شك أن العلم عبادة ، فالحذر الحذر يا طالب العلم من فقد الإخلاص ، فهذا هو الداء وهو الألم والشقاء في الدنيا ، والخزي والندامة في الآخرة ، قال (صلى الله عليه وسلم ) : ( من تعلم علماً مما يبتغي به وجه الله عز وجل لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة )(1) ، يعني ريحها . فأي خزي بعد هذا ؟ .

        وقال (صلى الله عليه وسلم ) في حديث الثلاثة : ( إن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة رجل تعلم العلم وعلمه ، وقرأ القرآن ، فأتي به فعرفه ـ أي الله ـ نعمه فعرفها ، قال : فما عملت فيها ؟ قال : تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن . قال : كذبت ، ولكنك تعلمت العلم ليقال إنك عالم وقرأت القرآن ليقال هو قارئ ، فقد قيل . ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار )(2) .

        على وجهه ..أي ذل وإهانة أبلغ من هذه ؟!

ثانياً : ركب العلماء :

قال السخاوي في الجواهر والدرر : ( من دخل في العلم وحده خرج وحده ) أي من دخل في طلب العلم بلا شيخ خرج منه بلا علم .

فلا يكن شيخك كتابك ، فمن كان شيخه كتابه كان خطؤه أكثر من صوابه . فالزم العلماء أهل التقى والصلاح والعلم ، وأعرف قدرهم ، وتأدب معهم بآداب العلم : ( فليكن شيخك محل إجلال منك وإكرام وتقدير وتلطف ، فخذ بمجامع الآداب مع شيخك في جلوسك معه والتحدث إليه ، وحسن السؤال والاستماع ، وحسن الأدب في تصفح الكتاب أمامه ، واترك التطاول والمماراة أمامه ، وعدم التقدم عليه بكلام أو مسير أو إكثار الكلام عنده أو مداخلته في حديثه ودرسه بكلام منك ، أو الإلحاح عليه في جواب متجنباً الإكثار من السؤال لا سيما مع شهود الملأ ؛ فإن هذا يوجب لك الغرور وله الملل ، ولا تناده باسمه مجرداً ، والزم توقير المجلس وإظهار السرور من الدرس والإفادة بع ، وإذا بدا لك خطأ من الشيخ أو وهم فلا يسقطه ذلك من عينك ؛ فإنه سبب لحرمانك من علمه ، ومن ذا الذي ينجو من الخطأ سالماً )(3) .

وأعلم أن نشاط الشـيخ على قدر اهتمام الطالب في الدرس ، وليكن معك قلمك تسجل الفوائد فإنه أحفظ للعلم .

ثالثاً العمل بالعلم :

فالمقصود من العلم العمل . ولكن كيف يكون طالب العلم عاملاً بعلمه وقد خالف النصوص ، قال تعالى : (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (البقرة:44)  ،( كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ) (الصف:3)  ؟!

فإذا تحقق العمل بالعلم وبلغ العلم نصابه فأخرج زكاته ، فما نقص مال من صدقة .

فوصيتي لنفسي وإخواني طلبة العلم بالإنفاق من العلم وتعليم الناس : بالخطابة ، بالدروس ، بالمحاضرات العامة ، بالكتابة .

ولا يحجم طالب العلم عن إفادة المسلمين فيضيع علمه ويبادره الموت وما قدم شيئاً .

نسأل الله العمل بالعلم والعون على ذلك .

 

 

 

 

 

 

حلية طالب العلم

 

1ـ طهارة القلب :

لابد لطالب العلم من تطهير قلبه من الرذائل والأمراض الخبيثة ، فلا حسد ولا كبر ، ولا بغضاء ولا شحناء ، ولكن حب وإخلاص .

فالحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ، وعلاجه : الإيمان بالقضاء والقدر ، والاستعاذة منه ، وتذكر فضل الله تعالى .

والكبر طاغوت القلوب وفرعون الأرواح فلا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة منه ، وعلاجه : التواضع ومعرفة النفس .

2ـ عبادة طالب العلم :

من أعظم النوافل لطالب العلم ذكر الله تعالى دائماً : قائماً وقاعداً وعلى جنبه ، لأن طالب العلم كثير التنقل، فربما شغل عن نوافل الصلاة والصيام ، فالله الله في الذكر ، في كل طرفة ولمحة ، فإنه أعظم معين لك على طاعة الله تعالى وكاف لك عن المعاصي .

3ـ لباس طالب العلم :

الإسلام لا يعترف ( بالدروشة ) فهو دين روعة وجمال ، ولا أدري لماذا ( يتدروش ) بعض الناس في لباسهم ويرتدون الثياب المتسخة البالية ويهملون النظافة والأناقة وحسن الهندام ، ويذهبون إلى سيرة بعض الزهاد ويتركون سيرة النبي (صلى الله عليه وسلم ) .

فعليك بلبس الأبيض النظيف الجميل ، وإياك ولباس الميوعة والأنوثة ، وليكن لباسك وسطاً معتدلاً متأنقاً ، وعليك بالطيب والسواك وخصال الفطرة : كإعفاء اللحية وقص الشارب وغيرها .

4ـ بشاشة طالب العلم :

طالب العلم بشوش ، طلق المحيا ، بادي الثنايا ، يكاد يذوب رقة . أما الفظاظة والغلظة فمن أخلاق جفاة الأعراب وجنود البربر ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ )(آل عمران: من الآية159) .

وعلماء السنة رجال عامة ينفعون المسلمين ويخالطونهم فيما يقربهم إلى الله عز وجل . أما الانزواء وكتمان العلم والبخل بالفائدة وتقبيض الوجه والانزعاج فيناسب علماء التتار ومتصوفة الهند .

5ـ أدب طالب العلم :

طالب العلم ذو وقار وخشوع وتواضع ، ليس بصخّاب ولا طعان ولا ثرثار ، وإنما حكيم في تصرفاته ، مؤدب في إجراءاته ، فإذا زار إخوانه زارهم في وقت مناسب للزيارة ، وإذا اتصل بالهاتف اتصل في وقت مناسب للاتصال ، أحرص الناس على الوقت ، لا يضيع وقته في القيل والقال واللغو وأخبار الناس .

فطالب العلم يغتنم أنفاس عمره ، مسارعاً إلى الصالحات ، سابقاً بالخيرات ، يحترم الكبير ويعطف على الصغير باراً بوالديه ، حسن الأخلاق ، متأسياً في ذلك بالنبي (صلى الله عليه وسلم )  كما قال تعالى : ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ )(الأحزاب: من الآية21).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تنبيهات وتوجيهات

 

1ـ كيف ترد الخطأ علي صاحبه :

إذا سمعت أن أحداً أخطأ في مسألة فلا تعجل بالرد حتى تسأله ـ إن أمكن ـ : ماذا قصد  ؟ وماذا أراد ؟ وهل صحيح ما تسبب إليه ؟ ثم أذكر له الصحيح .

هذا إذا كان المسألة مما أجمع عليه ، أو كان فيه نص صحيح صريح . أما إذا كانت من مسائل النزاع فلا تعنفه ولا تثرب عليه ، فإن السلف قد اختلفوا ، فليسعك ما وسعهم .

 

2ـ تثبت في الفتيا :

الفتوى خطيرة ومحرجة ، وهي توقيع عن رب العالمين ، فحذار حذار من التسرع والتهالك فيها ، وعليك بكلمة ( لا أدري ) فهي عند أهل التقوى والورع كالماء البارد .

 

3ـ القراءة المبعثرة :

القراءة المبعثرة تخرج مثقفاً ولا تخرج عالماً . فالقراءة في كل كتاب بلا ضابط تجعل القارئ يحفظ جملاً دون أن يربطها رابط . وهذه القراءة ليست هي المطلوبة المنتجة .

 

4ـ الحزبية :

طالب العلم سليم الصدر ، طاهر الظاهر والباطن . وما أتت أمراض النفوس والأحقاد والضغائن والطعن والغيبة إلا من آثار الحزبية المنبوذة البغيضة .

فإياك يا طالب العلم أن تكون حزبياً فتمقتك القلوب وتفقد كثيراً من إخوانك المسلمين ، وصاف جميع المسلمين واعمل مع جميع المسلمين ، وتعاون مع جميع المسلمين ، واجعل لكل مسلم منك حظاً ونصيباً .

بالـشـام أهـلـي وبـغـداد الهـوى وأنـا           بالـرقـمـتين وبـالفـسـطـاط جـيـراني

 

5ـ الجدل العقيم :

اشتغال طالب العلم بمسائل لم تقع ولن تقع سفه منه ، وتشاغله لا طائل من البحث فيها حمق وهوج ، وغضبه وحدته علي مخالفة ـ في مسائل يسع المسلم السكوت ـ من قلة علمه وعقله .

 

6ـ الحكمة ضالة المؤمن :

ينبغي لطالب العلم أن يقبل الحكمة ممن قالها أيا كان ، فهذا أبو هريرة رضي الله عنه يتعلم فضل آية الكرسي من الشيطان ، ويقول له النبي ( صلي الله عليه وسلم ) : ( صدقك وهو كذوب )(1) .

 

7ـ ليس كل قارئ مستفيد :

قد يوجد من يقرأ بفهم لكن في علوم لا تنفع ، أو في مواد غيرها أنفع منها ، كالذي يجعل عمدته في قراءة المجلات والصحف والكتب الفكرية ، فهذا ليس بيده شئ ، فالعلم شئ والكلام شئ آخر .

 

8ـ الموعظة :

إملال الناس وإطالة الكلام عليهم وتكثير الوعظ والدروس منفر لهم . فليكن لطالب
العلم درس أو درسان فقط كل أسبوع ، وليحرص علي التحضير وحسن العرض والإلقاء .

وعليه كذلك إلا يذكر عصاة المسلمين بأسمائهم ، فلعل الله أن يتوب عليهم . فالستر الستر ، فإن الرسول (صلي الله عليه وسلم ) كان إذا نبه علي خطأ قال : ( ما بال أقوام يصنعون كذا وكذا ) .

8ـ الدراسة المنهجية :

بعض الشباب يعارضون الدراسة المنهجية بحجة أنها قليلة البركة ضحلة العطاء مضيعة للوقت ، وبمطالعة الواقع وجدنا أذكياء الطلاب وأبطال الساحة وفرسان الميدان وأهل الاطلاع ـ جلهم أو كلهم ـ من أبناء الدراسة المنهجية . فليس بصحيح إذا ً ما يدعيه أولئك ، بل الجمع بين الدراسة ، والتحصيل الشخصي من أحسن ما يكون .

9ـ دعوة بدون علم :

قد تسمع من يثنيك عن طلب العلم بحجة الدعوة ويقول :نحن بحاجة إلي دعاة لا إلي علماء ، فإن سمعته فابرك علي صدره واقرأ عليه آية الكرسي فإن معه القرين ‍‍‍‍‍‍ ‍‍‍. بل نحن بحاجة إلي دعاة يحملون العلم الشرعي لا دعاة جهلة .‍‍‍‍‍‍

10ـ مفاجأة :

إذا طلب منك أن تتكلم في مجلس أو مجتمع أو منتدى – ولم تكن أعددت للموقف عدته – فاطلب العون من الله تعالي ، ثم عليك بأمرين :

الأول : مراعاة الموقف وملابسات المقام ، وما يناسب الحال والمكان والزمان .

الثاني : أن تتحدث عن موضوع سبق لك أن فهمته وتتحدث فيه .

 

11ـ أعور :

يقولون من أكتفي بالحديث عن الفقه ـ أو بالفقه عن الحديث ـ كان كصاحب العين الواحدة ، ومن جمع بينهما كان كصاحب العينين ، ومن فقدهما فهو أعمي .

 

12ـ الدعاء:

إذا صعبت عليك مسألة واستشكلت قضية فعليك بكثرة الدعاء والتضرع إلي الحي القيوم ، فإنه لا يهدي إلي الحق ولا ييسر الصعب إلا هو : ( أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ) (النمل: من الآية62) .

وكان ابن تيمية رحمة الله إذا استعصي عليه أمر يقول : اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمني ، ويا مفهم سليمان فهمني ، فيجد الفتح في ذلك .

ولـرب نـازلـة يـضـيـق بـهـا الـفـتي        ذرعـاً وعـنـد الله مـنـهـا المـخــرج

 

13ـ الكامل من العلماء :

من فهم النصوص من الكتاب والسنة وأقوال السلف وعرف مع ذلك الواقع الذي يعيش فيه فأنزل النصوص منازلها من الواقع فهو الكامل . ومن عرف الواقع بدون علم كان كمن عرف المرض ولا علاج لديه . ومن فهم النصوص ولم يعلم الواقع كان كمن عنده علاج وهو لا يعرف المرض .

فـكـن رجـــلاً رجـلـه فـي الثـرى            وهـامـة هــمـتـه فـي الـثــريـا

 

14ـ شخصيتك :

بعض الناس سريع الذوبان في غيره ، مغرم بالتقليد ، إذا أعجبه شخص قلده في كل شئ حتى في سعاله وعطاسه وضحكه وبكائه ، وهذا يدل علي انهزام الإرادة وضعف الشخصية . والرجل كل الرجل هو العصامي في شخصيته ، الذي يأخذ من الصالحين معاني الفضل من كرم وصبر وحلم وشجاعة ، ويدع الأمور الجبلية التي لا طائل لمحاكاته فيها .

 

15ـ قيد لابد منه :

دعوى التمسك بالكتاب والسنة تدعيها كل طائفة حتى المبتدعة ، ولكن الفرق بينهم وبين أهل السنة ، إن أهل السنة يدعون للتمسك بالكتاب والسنة علي منهج الصحابة والسلف الصالح وبفهم الصحابة والسلف الصالح ، وهذا قيد لابد منه .

 

16ـ العوام :

إن سألك عامي عن مسألة فاذكر له الجواب الراجح الذي تطمئن إليه النفس ، ولا يلزمك أن تذكر له الدليل إلا إذا سألك مستفيداً ، ولا تكثر له من أقوال العلماء في المسألة فيقع في حيص بيص .

 

17ـ تغليط العلماء :

بعض الفضوليين لا هم لهم إلا تغليط العلماء وتعجيزهم بالأسئلة ، وهؤلاء يظهر الله للناس عوراهم وعثراتهم ، ولا يبارك في علمهم ، نسأل الله العافية .

 

18ـ خير الخيرين وشر الشرين :

كل الناس يفرقون بين الخير من الشر ، أما معرفة خير الخيرين وشر الشرين فللفطن اللبق .

وعلي طالب العلم في دعوته وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر أن ينظر في المصلحة وتحقيقها ، ويقدم الأولويات وكبار الأمور قبل صغارها ، ولا ينكر المنكر الصغير قبل الكبير . فمثلاً : هل يصح أن تنكر تعليق الصور في مكان لا يصلي أصحابه ، أو تطالب قوماً يشربون الخمر بترك الإسبال ؟ .

ووضـع النـدي فـي مـوضـع السـيـف في الـعـلا

مـضـر كـوضـع الـسـيـف فـي مـوضـع الـنـدي

 

19ـ الكنز الثمين :

إذا حضرت موضوعاً أو بحثاً فاحتفظ بأوراقه ، فربما انتفعت بها وقت الحاجة . وحبذا لو دونت ما يمر بك من فوائد واحتفظت بها فإنك تعود إليها أحوج ما تكون , وحبذا أن يكون لك أدراج للبحث والفوائد والفهارس .

 

 

20ـ القرآن أولاً :

بعض طلبة العلم يتشاغل بحفظ المتون والمنظومات عن حفظ كتاب الله تعالي ، ولكن هل يكفيه ذلك وينفعه إذا لم ينتفع بالقرآن ؟!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

كيف وأخواتها

 

  كيف تحفظ القرآن الكريم :

قالوا مما يعين علي الحفظ أكل الزبيب ! ومما يضعف الحفظ أكل الباذنجان ! قلنا : دعونا من الزبيب والباذنجان ؛ بل أعظم ما يعين علي الحفظ تقوي الرحمن : ( وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّه)(البقرة: من الآية282) ، ثم عليك بالآتي :

                  ‌أ -             إخلاص قصدك في حفظه لوجه ربك تبارك وتعالي .

            ‌ب -             استمع إلي المقطع الذي تريد حفظه من شريط لأحد القراء المتقنين، كالشيخ محمد صديق المنشاوي والحصري وعبد الباسط ، والحذيفي ، وغيرهم من المشايخ المتقنين.

              ‌ج -            قلل المحفوظ يومياً وكرره .

                ‌د -            راجع في آخره النهار يومياً .

                 ‌ه -            ليكن لك زميل يسمع لك وتسمع له .

               ‌و -            استمع لشريط القرآن كثيراً .

               ‌ز -            صل بما تحفظ في الفرائض والنوافل وتهجد به في الليل .

              ‌ح -            اقرأ تفسير الآيات ليساعدك علي الحفظ .

2_ كيف تطلب الحديث :

لطلب الحديث ثلاث مراحل :

المرحلة الأولي : قراءة المختصرات كمختصر صحيح البخاري للزبيدي ، ومختصر صحيح مسلم للمنذري، وأمثالها ، ليتشبع طالب العلم من المتون .

المرحلة الثانية : قراءة الأحاديث في أصولها . كصحيح البخاري ، ومسلم ، والسنن ، والمسند.

المرحلة الثالثة : قراءة الشروح كفتح الباري ، وشرح النووي ، وتحفة الأحوذي ، وغيرها .

 

3ـ كيف تفهم كتاباً مطولاً :

بعض كتب العلم طويلة مسهبة كتفسير ابن كثير وفتح الباري والمغني وغيرها ، وإذا أراد طالب العلم فهم هذه المطولات فأمامه طرق :

منها : أن يكرر هذه الكتب كل كتاب ثلاث أو أربع مرات .

ومنها : أن يقرأها قراءة واحدة متأنية ، ومعه مذكرات أو دفاتر يسجل فيها الشوارد والفوائد والنكات العلمية وما يصعب عليه ليراجع فيه أهل العلم .

ومنها: أن يقرأ مع زميل ـ علي فترة طويلة ـ مع المناقشة والمساءلة .

4ـ كيف تحقق مسألة شرعية :

تحقيق المسألة يتم بأمور هي :

                  ‌أ -            جمع النصوص في المسألة من الكتاب والسنة .

            ‌ب -            النظر في الحديث صحة وضعفاً .

              ‌ج -            التأكد من النسخ في الآية أو الحديث .

                ‌د -            حصر أقوال أهل العلم في المسألة .

                 ‌ه -            النظر في الأقوال والترجيح ، وذلك بمسكة من أصول الفقه .

               ‌و -            ذكر القول الراجح ، وسبب ترجيحه ، ولماذا أهملت الأقوال الأخرى .

 

5ـ كيف تخرج حديثاً :

تخريج الحديث يتم بأمور البحث عن مظانه ومن رواه ، وهذا يكون بأمور :

                  ‌أ -            إن عرفت مظانه بالاستقراء والنقل فحسن .

            ‌ب -            وإن لم يحصل ذلك ، فبمعرفة أول الحديث والنظر في الفهارس والمعاجم .

              ‌ج -            وإن لم يحصل ذلك ، فخذ مادة من الحديث وارجع إلي المعجم المفهرس إن كان عند التسعة .

                ‌د -            ثم ينظر في سند الحديث رجلاً رجِلاً بواسطة علم الرجال .

                 ‌ه -            ثم تجمع أقوال أهل العلم في الحديث لتخرج بحكم متأن علي الحديث .

 

6ـ كيف تعد خطبة أو كلمة :

                  ‌أ -            اختيار الموضوع ، ويراعي أن يكون مناسباً للمقام .

            ‌ب -            جمع النصوص من الكتاب والسنة وأقوال السلف وأهل الأدب .

              ‌ج -            الصياغة الأدبية الراقية ، مع ملاحظة سهولة الأسلوب وربط المقاطع مع بعضها .

                ‌د -            الإلقاء عن طريق : حفظ الخطبة _ أو الكلمة _ بعد كتابتها ثم إلقاؤها أو قراءتها قراءة حية مؤثرة ، أو وضع عناصر بورقة صغيرة والاستعانة بها .

                 ‌ه -            ملاحظة الوقت في الخطبة والكلمة ، حسب المقال والمقام .

               ‌و -            الحرص علي سماع الأشرطة التي تحمل خطباً ومحاضرات فإنها مفيدة .

 

7ـ كيف ترتب وقتك :

بعض طلبة العلم يرتب برنامجه وتحصيله حسب الصلوات ، فمثلاً ، بعد صلاة الفجر إلي طلوع الشمس وقت الحفظ : حفظ خمس آيات من القرآن علي الأقل ، وحديث نبوي واحد ، وربما يضيف جزءاً صغيراً من أحد المتون .

ثم من طلوع الشمس إلي الظهر : الدراسة المنهجية أو الوظيفة والكسب والتجارة . ثم بعد الظهر : مطالعة في التاريخ والأدب ، ثم الغذاء والقيلولة . ثم بعد صلاة العصر : المطالعة في أمهات الكتب كفتح الباري وفتاوى ابن تيمية وتفسير ابن كثير والمغني وغيرها .

ثم بعد صلاة المغرب إلي العشاء : مراجعة المحفوظات من القرآن والحديث وغيره . ثم بعد العشاء مطالعة النشرات الإسلامية والمجلات المفيدة والكتب الثقافية ، ثم النوم .

ويوم الخميس  للزيارات والنزهة والاستجمام ، ويوم الجمعة لتدبر القرآن والذكر والدعاء والتنقل وكثرة الصلاة علي الرسول ( صلي الله عليه وسلم ) ومحاسبة النفس والتأمل .

وبعض طلبة العلم يجعلون الفنون علي الأيام ، فمثلاً الفقه يوم السبت ، والتفسير يوم الأحد ، والحديث يوم الاثنين ، وهكذا.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مكتبة طالب العلم

 

أيها الاخوة الأبرار والطلبة الأخيار ، إنه مما يسعدني أن أدخل معكم إلي المكتبة الإسلامية ، فإن أشرف ما يمكن أن نعيش به في الحياة بعد الإيمان والعمل الصالح هو التحصيل وقراءة كتب العلم ، فأهل العلم هم أهل النفع والفائدة .

يا ذكـيـاً والـذكــــاء جـلـبـابـه                     وتـقــيـاً حــســنـت آدابـه

قـم وصـاحـب مـن هـم أصـحـابـه                     لا تـقـل قـد ذهــبـت أربـابـه

وليست العبرة بكثرة اقتناء الكتب ، فقد تجد عالماً ليس في بيته سوي عشرة كتب قد هضمها وفهمها ، وتجد طالباً عرياً من العلم في بيته مكتبة هائلة من الكتب قد تراكم عليها الغبار لا يعرف منها إلا عناوين الكتب ، فالعبرة بالمضمون لا بالمظاهر .

واعلم أنه لا يخلو كتاب من فائدة ، فلا تحتقر أي كتاب لمسلم ، فإنك قد تجد الدر بين القش ، وكم من مسألة محققة منقحة في كتيب لا تظفر بها في مجلدات .

وأنت مخير في ترتيب مكتبتك : إما علي الفنون : القرآن وعلومه والتفسير ، والحديث وهكذا ، أو علي المعجم ، أو علي المؤلفين .

وسندخل المكتبة الإسلامية لنقف مع الكتب المشهورة والشروح المختصرات ، ولنعرض بعض الأمثلة ، وبعض النقد الذي لا يسلم منه كتاب من كتب البشر .

والكتاب الإسلامي النافع المفيد ، هو أنيسك في الوحدة كما قال الجاحظ . والكتاب بالنسبة إلي طالب العلم هو رفيقه في درب الحياة ، وصاحبه الذي لا يخونه ولا يمله ولا يسأمه ولا يضجره . والكتاب أحسن ما يمكن أن تجلس معه ، قال أبو الطيب المتنبي :

أعـز مـكان في الدنـا سـرج سـابـح                      وخـيـر جـليس فـي الأنـام كـتـاب

فإذا كان الكتاب جليسك فأبشر ثم أبشر، خاصة إذا كان الكتاب الإسلامي النافع المفيد .

وأعظم كتاب طرق المعمورة هو كتاب الله عز وجل ، ويحتاج ذكر فضائله إلي دروس ودروس ، ويكفي هذا الكتاب فضلاً أنه معجزة وأنه:( لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ)(فصلت:42) .

ويكفيه قول الله سبحانه وتعالي : ( أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ )(النساء: من الآية82) وقوله تعالي : ( كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (صّ:29) وقوله تعالي :( قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً)(الإسراء:88) وقوله تعالي : ( الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ ) (الرحمن:2) .

لما كان الكلام في هذه العجالة عن كتب البشر ، فإنني أستميحكم عذراً معلناً عجزي عن عرض فضائل القرآن ، ثم أحيلكم علي كتاب ( التبيان في آداب حملة القرآن ) للأمام النووي ، وإلي غيره من كتب أهل العلم .

ويوم تكون طالب علم تطالب أن يكون القرآن في مكتبتك وتحفظ منه ما تيسر وتتدبره ، ويكون هو ردك دائماً ومعلمك وأنيسك وربيع قلبك ، جعله الله لنا ولكم قائداً إلي الجنة ، ولندخل إلي فوائد الكتاب الإسلامي الذي يزيدك إيماناً وعلماً وطموحاً .

 

فمن فوائد الكتاب :

الفائدة الأولي : أن من استصحبه كان له تأثير في الناس ، قال السلف الصالح : ( من خدم المحابر خدمته المنابر ) أي أعلن دعوته ونشر علمه وأفاد الناس .

الفائدة الثانية : الأنس ، قال بعض الفضلاء : صحبت الناس فملوني ومللتهم ، وصحبت الكتاب فما مللته ولا ملني .

3ـ الفائدة الثالثة : السلامة من قرين السوء، فإنك إن لم تصحب الكتاب ولم تنشغل بذكر الله فإما أن تجلس مستوحشاً، وإما أن تجالس جليس سوء يغتاب وينم ويفحش في الكلام ، ويعرضك لمجريات الحياة ، ويضيع عليك الأوقات .

قالوا لابن المبارك رضي الله عنه وأرضاه : أين تذهب عندما تدخل بيتك ؟ قال : أجلس مع الصحابة ، قالوا : أين الصحابة وقد ماتوا ؟ قال : أجلس مع كتبهم ومآثرهم ، أما أنتم فتغتابون الناس .

4ـ الفائدة الرابعة : شحذ الهمم ، وخاصة لمن قرأ سير العظماء والعلماء والرواد من الدعاة والأخيار والشهداء ، فإنها تزيده بصيرة وطموحاً.

وجرب نفسك يوم تستعرض سيرة الإمام أحمد أو مالك أوالثوري أو ابن تيمية أو ابن القيم أو غيرهم كيف تزداد عزيمة وصرامة .

5ـ الفائدة الخامسة : حفظ الوقت ، فإن من فاته الذكر والعبادة لا يحفظ وقته إلا مع الكتاب النافع .

 

علم التفسير :

ولندخل الآن إلي فن التفسير، ذاك العلم الذي أجاد فيه المسلمون وأغزروا من الفوائد وخدموه خدمة بارعة. وهو علي قسمين : التفسير بالرواية ، والتفسير بالدراية ، فالرواية هي النقل ، والدراية هي الرأي .

وسنذكر بعض التفاسير التي لا يستغني عنها طالب العلم ، ثم نذكر جملاً من فوائدها :

 

أولاً : تفسير الطبري :

أعظم تفسير عند المسلمين هو تفسير ابن جرير الطبري ، وهو التفسير الذي جمع فأوعي ، ومن مميزاته وخصائصه ثلاث خصائص :

أولها : أنه اعتني بالتفسير المأثور المنقول عن الرسول ( صلي الله عليه وسلم ) وعن أصحابه .

الثاني : أنه أثبت ما نقل بالسند ولم يأت بالكلام بلا خطام ولا زمام ، فلا تثريب عليه في ذلك .

الثالث : أنه أتي بلب اللغة العربية ، واستشهد بالأبيات التي أقرها أهل اللغة من شعر الجاهليين وغيره .

 

·       المؤاخذات عليه :

ولكن الله سبحانه وتعالي لم يضمن العصمة إلا لكتابه ، فكان هناك بعض المؤاخذات علي هذا التفسير ، منها :

أولاً : الطول ، فقد أطال فيه ومد الكلام وبسط الحديث بشي يمل ، وسبب ذلك أنه يأتي بالسند الطويل الطَويل ، ثم يأتي في المتن بكلمة أو ما إلي ذلك . وهذا يستنفد وقتاً طويلاً علي طالب العلم .

ثانياً : أنه قد يأتي بروايتين أو ثلاث ثم لا يرجح ، ولا بد لطالب العلم من تحقيق المسائل والترجيح بين الأقوال واعتماد قول واحد ، يكون عليه مدار العمل .

ثالثاً : أنه مر علي كثير من الأحاديث الضعيفة ولم ينبه عليها ، وحق علي طالب العلم أن لا يمر بحديث إلا ويبين درجته لتبرأ ذمته خاصة من مثل العالم الفذ ابن جرير الطبري . ويمكن أن يعتذر له بذكر السند .

 

التفسير الثاني : تفسير ابن كثير :

ذكر الشوكاني ـ كما في البدر الطالع ـ أنه قال : ما أعلم تفسيراً أحسن منه فكيف مثله ؟! وذكر عن السيوطي أنه قال : ( ما علي وجه الأرض أحسن من تفسير ابن كثير ) وهو التفسير المشرق ، وميزته ثلاث ميز :

          1-          أنه يفسر القرآن بالقرآن ، فيورد الآية ثم الآيات التي تدور حول المعني وتفسير المعني بالجملة . وهذه منقبة عظيمة .

          2-          أنه يأتي بالأحاديث النبوية ويسندها إلي الكتب المعتمدة . ويكثر الاعتماد علي مسند الإمام أحمد ، ثم علي الكتب الستة وغيرها .

          3-          أورد كلام التابعين ومن بعدهم ونبه علي أسمائهم .

 

·       المؤاخذات عليه :

ولكن المؤاخذات عليه في أمور :

          1-          أنه وإن كان أنقي الكتب من الإسرائيليات ، ورغم أنه حذر منها في أول الكتاب ، إلا أنه وجد فيه مع ذلك بعض الإسرائيليات .

          2-          أنه في بعض الأحيان لا يستوعب ما نقل في الآية من كلام أهل اللغة ، فإن بعض الآيات ، إذا راجعتها لا تجد إلا كلاماً قليلاً فيها رغم أنها تحتاج إلي بسط وتوضيح وإيراد شروح حتى تقرب من فهم القارئ والسامع وطالب العلم ، ولكن شكر الله له جهده وأثابه الله .

وقد بدأ بعض طلبة العلم ـ فيما أعلم ـ في تخريج الأحاديث التي تحتاج إلي تخريج وفي تحقيق هذا الكتاب وقد رأيت مجلداً محققاً منه .

 

مختصرات تفسير ابن كثير :

          1-          اختصر علماء منهم نسيب الرفاعي في مختصر جيد ، ولو أنه أبقي علي روح الكتاب وعلي كلام السلف ونقولاتهم بألفاظها لكان أفضل .

          2-          ومنهم الصابوني ، وقد أحسن في كثير من اختصاره لو أنه ترك التدخل في بعض المسائل وأبقاها علي أصلها وعلي مجمل اعتقاد السلف(1) !

 

التفسير الثالث : تفسير القرطبي :

ولابد أن تحفل مكتبتك بهذا التفسير . قال الذهبي : ( ألف القرطبي تفسيراً فأتي فيه بكل عجيب ) .

ومن مميزاته :

          1-          أنه يجمع آيات وأحاديث الأحكام وأقوال أهل العلم في مسائل الأحكام ، ثم يستخلص منها الراجح عنده . فهو كتاب فقه وأحكام قبل أن يكون كتاب تفسير .

          2-          أنه حشد حشداً هائلاً من الأدلة والإيرادات ، فأتي _ كما قال الذهبي _ بكل عجيب .

          3-          أنه لم ينس جانب اللغة والشعر والأدب ، فأتي بالشواهد اللغوية كما فعل ابن جرير .

 

·                المؤاخذات عليه :

ومن المؤاخذات عليه :

          1-          أنه أتي بأحاديث موضوعة يعرفها من يبدأ بسورة الفاتحة عند ( بسم الله ) والواجب أنه ينبه عليها خاصة وهو محدث ، فلا تبرأ ذمته بإيراد الحديث بلا تنبيه .

          2-          أنه قد يؤول في بعض الصفات كما فعل في بعض المواطن خلاف منهج أهل السنة الذين يمرونها كما جاءت من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه ولا تعطيل ، فلينتبه لذلك .

 

التفسير الرابع : تفسير الكشاف للزمخشري :

والزمخشري عالم لغوي جهبذ فذ ، وهو حجة في اللغة لكنه معتزلي الرأي ، معتزلي الفكر ، معتزلي المعتقد ، وقد شنع علي أهل السنة والجماعة فشنعوا عليه وردوا عليه بقذائف ، فقد كتب قصيدة في أهل السنة والجماعة أزري عليهم فيها ، وكان من أبياتها :

لـجـمـاعـة سـمـوا هـواهـم سـنة              لجـمـاعـة حـمـر لـعمـري مـوكـفـه

فانهالوا عليه بما يقارب ست قصائد سحقت قصيدته ، فلم تبق في ساحته عوجاً ولا أمتاً .

منها قول البليدي :

هـل نـحـن مـن أهـل الـهـوى أو أنـتـم       ومـن الـذي مـنـا حـمـيـر مـوكـفـة

اعـكـس تصـب فالوصـف فـيكـم ظـاهـر      كـالشـمـس فارجـع عن مـقـال الزخرفة

يـكــفـيـك فـي ردي عـلـيـك بـأنـنـا       نـحـتـج بـالآيـات لا بـالـسـفـسـفـة

والزمخشري هذا فيه خبايا ودسائس ، وقد شحن كتابه الكشاف بعقائد الاعتزال .

ومن مميزاته كتابه : أنه كتاب حجة في اللغة ، وله إيرادات ونكت عجيبة لكن في اللغة واللطائف ، وهو صاحب إشراقات في باب البديع والبيان .

 

·       المؤاخذات عليه :

ومن المؤاخذات عليه :

          1-          الرجل بضاعته في الحديث مزجاة ، وليس هو بحجة في الحديث .

          2-          أنه معتزلي العقيدة كما سبق .

          3-          أنه لم يوف بعض الآيات حقها من البسط والبيان كما فعل غيره كالقرطبي .

التفسير الخامس : تفسير الرازي :

وهذا التفسير قيل عنه : فيه كل شي إلا التفسير . وهذه الكلمة لا تقبل ، بل فيه تفسير كثير . لكن يؤخذ عليه :

أولاً : أنه جمع علم الكيمياء والفيزياء والأحياء والجغرافيا والتاريخ والمنطق وعلم الكلام ، فحشي به كتابه حتى جعل الفاتحة في مجلد كامل .

ثانياً: الرجل ليس بحجة في الحديث النبوي كصاحبه الزمخشري ، فقد قال : القمر والشمس يكوران كالثورين ويوضعان في جهنم وهذا حديث لا يساوي فلساً واحداً ، وليس بصحيح(1) .

ثالثاً : أن الرجل منحرف عن منهج أهل السنة والجماعة في باب الاعتقاد بل يعد من أئمة الأشعرية وغلاتهم .

رابعاً : أن الرجل معجب بعلم الكلام ، ويقعد معاني ودلالات القرآن تقعيداً فلسفياً ، وقد رد عليه ابن تيمية في كتابه ( درء تعارض العقل والنقل ).

والكتاب فيه فوائد لا يخلو منها كتاب ، لكن المثالب فيه أنه ابتعد عن روح القرآن ولك يأت بنقل ، ولم يجمع الآيات التي في المعني الواحد كما فعل ابن كثير ، هذا بالإضافة إلي أنه ضعف في علم الحديث وترك كلام الصحابة والتابعين فلم يورده إلا نادراً .

وقد مات قبل أن يكمل كتابه ، فأكمله أحد تلاميذه وسار فيه علي طريق المؤلف .

 

التفسير السادس : فتح القدير للشوكاني :

والشوكاني من علماء أهل السنة والجماعة ، ومعتقده هو معتقد السلف في الجملة ، وهو عالم فذ متبحر في العلوم ، ومن أراد أن يعرف تبحره فليقرأ رسالته : ( أدب الطلب ومنتهى الأرب ) ، يقول الإمام الشوكاني إنني في بداية شبابي قرأت بيتين للشريف الرضي( شاعر من سلالة الحسين بن علي ، شيعي جلد ، وهو فيما يقارب القرن الثالث ) في طلب العلم يقول الشريف الرضي :

أقـســمـت أن أوردهــا حـــرة               وقـاحـة تـحـت غـــلام وقــح

إمـا فـتـي نـال المـني فـاشـتـفي               أو فـارسـاً زار الـردى فاسـتـراح

وهما في طلب الملك والإمارة ، أما الشوكاني فالعلم عنده أفضل . فبدأ يطلب حتى برع وصنف المصنفات العظيمة التي من أجلها : نيل الأوطار ، فتح القدير وكتابنا هنا هو :

فتح القدير : ومن مميزات هذا الكتاب :

          1-          أنه فسر بالدراية والرواية .

          2-          أنه استوعب كلام النحاة حتى كأنك حينما تقرؤه تقرأ في كتاب لسيبويه أو الزجاجي أو لابن خروف أو لابن عصفور .

          3-          أنه لم ينس الصرف واللغة ، لكنه شحن الكتاب حتى أصبح مملاً ، وكأنه أصبح كتاب نحو وتصريف وحال وتمييز ومبتدأ وخبر ، وهذا إنما يؤخذ بقدر الحاجة .

          4-          أنه يأتي بعلم المأثور عندما ينتهي من الآيات ، يقول وأخرج فلان .

 

·       المؤاخذات عليه :

ولكن يؤخذ علي هذا التفسير بعض المآخذ منها :

          1-          أنه لم يجمع الآيات التي في المعني الواحد ليفسر بعضها بعضاً ، كما فعل ابن كثير .

          2-          أنه لم يعتمد علي الصحاح من الحديث ، وإنما يذكر الصحيح والضعيف .

          3-          أنه أورد الأحاديث بلا خطام ولا زمام من كتب ابن مردويه والطبراني وأبي الشيخ ـ وكتب هؤلاء مظنة الأحاديث الضعيفة ـ ثم جعلها في كتابه ولم ينبه عليها .

 

التفسير السابع : أضواء البيان :

وهو للعالم الأريب الكبير محمد الأمين الشنقيطي ، المتوفى عام 1393هـ، رحمه الله رحمة واسعة ، وكتابه هذا فذ بين كتب التفسير وميزته :

العقلية المتوقدة ، والاستنباط اللطيف ، وتحقيق المسائل خاصة في سورة الحج في مجلد الحج ، فقد أبدع فيه ، والرجل نظار من الدرجة الأولي وعلامة بحر فهامة ، حافظ للغة وهو من أئمة أهل السنة ، وقد أبدع في بيان معتقد أهل السنة والرد علي أهل البدع في مواضع من كتابه ، لكن الكتاب يؤخذ عليه بعض المآخذ منها :

 

·       المؤاخذات عليه :

          1-          أن فيه آيات بل عشرات الآيات والمقاطع لم يفسرها .

          2-          أنه أكثر فيه من أصول الفقه والتعقيدات الأصولية ، كأنك في كتاب أصول فقه .

          3-          أن بعض مسائل اللغة فيه شائكة تحتاج إلي بسط لطلبة العلم .

لكن حسناته أكثر من مثالبه ، رحم الله مصنفه وجزاه خيراً .

 

الكتاب الثامن : في ظلال القرآن :

وهو ـ كما قال صاحبه ـ ليس كتاب تفسير ، وإنما هو كـتاب أنداء وأطلال ونسمات وإشراقات وإبداعات .

·       ومن مميزاته :

          1-          أنه يربط علم الواقع بالقرآن .

          2-          أنه يتحدث عن الوقائع العصرية التي جدت .

          3-          أنه كتب بيد رجل  أديب يسيل قلمه روعه ورشاقة .

ومثل هذا تجده في سورة الغاشية عند قوله تعالي : ( أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ) (الغاشية:18) .

    4_ أنه رجل عرف الكفر عن كثب ، ودخل أمريكا ، ورأي المجتمعات الجاهلية ، وقرأ كتبهم ، وثم أتي يكتب من مركز قوة .

 

·       المؤاخذات عليه :

أما الأمور التي تنقصه فمنها :

          1-          أنه تعلثم في بعض آيات الصفات ، ولا تؤخذ العقيدة منه ، ولو أنه من أهل السنة والجماعة الذين ندعو لهم بكل خير ورحمة ونسأل الله لهم النجاة .

          2-          أنه يقتضب في بعض الآيات التي تحتاج إلي بسط ، ويسهب في بعض الآيات التي تحتاج إلي اقتضاب .

وحبذا لو أنه خرج الأحاديث التي يوردها ولكنه يعتمد كثيراً علي ( زاد المعاد ) ، وعلي تفسير ابن كثير .

وقد ألف الشيخ عبد الله بن محمد الدرويش ـ رحمة الله ـ كتاب ( المورد الزلال في التنبيه علي أخطاء الظلال ) ، وحبذا لو رجع إليه .

وأنا إنما ذكرت ما اشتهر من كتب التفسير(1) .

 

 

 

 

 

 

 

علم الحديث النبوي

 

وهو فن العظيم الذي أبدع فيه المسلمون ، ووضعوا له أسساً وقيماً لم توجد في غيره من العلوم ، وهو العلم الذي يفتخر به كل مسلم ويعتز به بعد القرآن الكريم . ولندخل إلي الكلام عن كتب الحديث التي ينبغي أن تكون في مكتبة طالب العلم .

 

·       كتب المتون والشروح :

أولاً : صحيح البخاري :

 

والأمام البخاري رحمة الله قد صنف كتابه وجرده للصحيح فحسب ، وكان ذلك بتوجيه من إسحاق بن راهويه رحمة الله .(1)

ويتميز صحيح البخاري بثلاث مميزات :

1.  الصحة المتناهية ، والشرط القوي في إيراد الحديث . فليس في صحيح البخاري حديث ضعيف ، ولو أن ابن حزم يقول حديث الغناء عند البخاري حديث ضعيف لأنه منقطع بين البخاري وهشام بن عمار ، ولكن المحدثين ردوا بأن حديث الغناء هذا : ( ليكونن أقوام من أمتي يستحلون ...) الحديث ردوا بأنه موصول. وقد انتقد الإمام أبو الحسن الدار قطني البخاري ، ولكن لم يصح نقده ، وكان رحمه الله حسن النية ، والله أعلم.

أما هؤلاء المحدثون من أمثال أبي ريه العميل للمستشرقين ، ومن أمثال المستشرقين جولد زيهر المجري ، فهؤلاء معروف نواياهم الخبيثة ، وقد رد عليهم العلماء في كتبهم مثل : الأنوار الكاشفة لظلمات أبي رية للمعلمي ، والدفاع عن أبي هريرة لعبد المنعم الصالح ، وكذلك رد عليهم عبد الرزاق حمزة في كتاب فذ .

2.     كثرة الفوائد فيه ، من التعليقات والاستنباطات وكلام الصحابة والتابعين وأتباع التابعين .

3.     جودة التبويب والترتيب ، فأنه دبجه ووشحه بتبويب وترتيب عجيب .

 

أما الملاحظات ـ التي لا يخلو منها إلا كتاب الله –فهي في صحيح البخاري كالأتي :

1.     هناك بعض التعليقات تحتاج إلي خدمة ، وخدمها ابن حجر.

2.  هناك تكرار للحديث في أكثر من موضع ، حتى إنه كرر حديثاً واحداً ما يقارب 37 مرة . وطالب العلم ربما يحبذ أن يأتي الحديث في موضع واحد .

3.  البحث في صحيح البخاري عن الحديث مضن وشاق ، وذلك لأنه قد يذكره في غير مظانه ، فإنه رحمه الله يستنبط من الحديث الواحد فوائد لا يتفطن لها كثير من طلاب العلم ، فإنك تبحث عن الحديث في باب النكاح فربما وجدته في الغزوات ، وتبحث عن الحديث في الغزوات فتجده في التفسير .

 

·        مختصرات صحيح البخاري :

1.  اختصره الزبيدي في كتاب (التجريد الصريح ) وهو مجلد لطيف يقع فيما يقرب خمسمائة صفحة ، وحبذا أن يكون هذا المختصر عند طلبة العلم وأن يكرروا قراءته عدة مرات ليتعرفوا علي أحاديث البخاري . وطريقة الزبيدي في هذا الكتاب : أنه حذف الأسانيد والمكررات والأبواب ، وأبقي اسم الصحابي ومتن الحديث . وإذا كان في الحديث زيادة أشار إليها . فجزاه الله خيراً عن هذا العمل المفيد .

2.  اختصره الألباني وقد أجاد الاختصار ، والألباني رحمة الله يشير إلي الأبواب والمواطن ويذكر جميع روايات الحديث الواحد ، ولذلك فقد كبر حجم مختصره ، وكتابه لم يتم بعد .

 

·        شروح البخاري :

وقد شرح صحيح البخاري فيما يقارب ثمانين شرحاً ، وأعظم الشروح البارزة عند المسلمين الآن ثلاثة : فتح الباري لابن حجر العسقلاني ، وهدي الساري للقسطلاني ، وعمدة القارئ للعيني .

فأما فتح الباري فقد قيل للشوكاني : ألا تشرح  لنا صحيح البخاري ؟ فقال : لا هجرة بعد الفتح ! يعني فتح الباري .

وفتح الباري من أحسن الكتب ، أجاد فيه ابن حجر كل الإجادة ، ولو كان عند المسلمين معجزة من التأليف لكان فتح الباري ، وفتح الباري بديع جد بديع في إيراداته وقوته العلمية وثقة مصادره .

ولكن مصنفه تقلب في العقيدة علي ثلاثة أحوال ، فمرة سكت عن معتقد السلف ، ومرة أول ، ومرة أقبر مذهب السلف ، مرة سكت فلا ندري ما وراءه ومرة أول ، ومرة أقر ، ولكنه مع ذلك من أهل الخير والصلاح والعبادة والعلم والنبل الذين نفع الله بهم الإسلام والمسلمين .

وأما عمدة القارئ فيمتاز باللغويات والأدب وكثرة الشواهد النحوية ، لكنه لا يرقي إلي درجة الفتح في الحديث .

أما هدي الساري للقسطلاني فهو أشبه بالرموز ، وفيه هبة صوفية وروحانية من ذاك الباب ، فينتبه له .

وهناك شرح آخر وهو لابن رجب ، وقد رأيت منه ما يقارب ثلاثمائة صفحة مصورة من مخطوطة ، وهو من أجود ما كتب ،جاء فيه بكل عجيب ، وإذا أردت أن تعرف منزلة أبن رجب في شرح الأحاديث فأنظر إلي (جامع العلوم والحكم ) كيف أبدع فيه إبداعاً عجيباً .

 

·       مكانة صحيح البخاري وتبويبه وفوائده :

أما مكانته : فهو بالمرتبة الأولي بعد كتاب الله عز وجل كما قال ابن تيمية ( في المجلد الأول من الفتاوى ) .

وأما تبويبه فبديع علي ثلاثة أصناف : مرة يأتي بالباب من لفظ الحديث ، ومرة يأتي بالباب استنباطاً مظنوناً وليس تأصيلاً في الحديث ، حتى أنه يتوقف كثير من الشراح : ما مناسبة الباب ؟ وما مناسبة الترجمة للحديث ؟ والباب للمتن .

وأما فوائده فمنها :

1ـ أنه يكرر الحديث فيكثر مخرجيه من المشايخ والأسانيد .

2ـ أنه يأتي بالمعلقات كثيراً ، فيشحن الحديث بعلمه .

3ـ أنه يبوب فيستنبط لك .فهو فقيه في أبوابه رحمه الله .

 

ثانياً : صحيح مسلم :

وهو في المرتبة الثانية بعد صحيح البخاري ، هذا ما عليه الجمهور ، إلا أن أبا علي النيسابوري والمغاربة يقدمون صحيح مسلم علي صحيح البخاري .والرأي الأول هو الصحيح .

 

·       مختصرات صحيح مسلم :

اختصره المنذري في (مختصر صحيح مسلم ) وهو مطبوع ، وهو من أحسن المختصرات . لكنه حذف بعض الأحاديث وبعض الزوائد المهمة(1) .

 

·       شروح صحيح مسلم :

وأحسن من شرحه الأمام النووي إلا أنه اقتضب العبارة ، لكنه لا يرتقي إلي درجة فتح الباري في الشرح ، وفيه تأويل في بعض الصفات علي طريقة الأشاعرة فلينتبه له .

وكذلك الأبي له شرح لصحيح مسلم مطبوع لكنه ليس مشهوراً عند طلبة العلم .

 

·       مميزات صحيح مسلم :

1ـ أنه يجمع الأحاديث في باب واحد،فيعفيك من مغبة التكرار ويسهل عليك الرجوع إلي الحديث حيثما بحث عنه.

2ـ أنه يجمع الزوائد بألفاظها .

3ـ أنه يأتي بأحاديث شواهد واعتبارات مساندة للحديث ، ولكن هذه الشواهد والاعتبارات ليست علي شرطة الأصول .

·       ما انتقد به مسلم :

انتقده بعض العلماء ومنهم : أبو الحسن الدار قطني وضعف فيه ما يقارب ثمانين حديثاً ، وصحيح مسلم بحمد الله ليس فيه كل هذا العدد من الأحاديث الضعيفة .

وقد ذكر أبن تيمية وغيره أن الأحاديث الضعيفة فيه هي ثلاثة أحاديث : حديث أبي موسى : (ساعة الجمعة عندما يجلس الأمام علي المنبر إلي أن تقضي الصلاة )، وهذا الحديث منقطع كما ذكره الدار قطني وابن حجر وابن تيمية . والصحيح أن ساعة الاستجابة هي آخر ساعة من يوم الجمعة كما في الصحيح .

والحديث الثاني :(خلق الله التراب يوم السبت ..) فعدت الأيام فصارت سبعة ، والله سبحانه ذكر أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام .فقالوا هذا وهم  أخذه أبو هريرة من كعب الأحبار .

والحديث الثالث : عن ابن عباس ، في الدباغ ، وقد ذكرها أبن تيمية كما في المجلد الثامن عشر من الفتاوى .

وادعي ابن حزم الظاهري أن في صحيح مسلم حديثاً موضوعاً وهو حديث أبي سفيان أنه قال للرسول ( صلي الله عليه وسلم ) : ( يا رسول الله أريد منك ثلاثاً : أن تعطيني إمرة ، وأن تجعل معاوية كاتباً لك ، وأن أجدد لك وأزوجك رملة .. ) والإشكال في هذا أن رملة بنت أبي سـفيان تزوجها عليه الصلاة والسلام قبل أن يسلم أبو سفيان .

ولكن يحمل هذا علي أنه ليس موضوعاً ، وإنما فيه وهم من الرواة ، أو يحمل علي دلالة الألفاظ ، وأن يقال بل الصحيح أن الرسول عليه الصلاة والسلام جدد له هذا ـ وتجديد العقد لا بأس به وهو وارد ـ وجعل معاوية كاتباً وأعطاه إمرة .

 

ثالثاً : جامع الترمذي :

وهو يقع في المرتبة الرابعة ، وبعضهم يجعله في الخامسة ، لكن بدأت به لكثرة فوائده ، فانهم قالوا : فيه فوائد ألفه صاحبه وجوده ،حتى قال أبو إسماعيل الأنصاري شيخ الإسلام الهروي صاحب منازل السائرين : (الترمزي أفيد من البخاري ومسلم ، لان طالب العلم يقع علي الفائدة عند الترمزي قبل أن يقع عليها عند البخاري أو مسلم ) .

وقال الذهبي في ترجمته للترمذي في سير أعلام النبلاء : إنه ضعيف النفس في التضعيف .

 

·       مميزات الترمذي :

1.     يعقب علي الحديث بالتضعيف والتصحيح ، فيقول : حديث حسن صحيح . حديث حسن غريب .. حديث غريب .

2.  يذكر الصحابة الذين رووا الحديث ، يقول : وهو من حديث فلان .. وفي الباب عن أبي وأبي أيوب وحذيفة وأسماء وابن عباس وابن عمر . وهذه فائدة جليلة تطلعنا علي من روي الحديث من الصحابة .

3.  أنه قد يسمي من كني أو من لم يسم في السند ، فيقول : أبو فلان اسمه كذا كَذا . وقد ينسبه ، يقول : هذا البجلي ، أو الغطفاني ، أو الفزاري .

4.  أنه يذكر أقوال أهل العلم ، فيقول : وهو قول مالك وأحمد وابن المبارك وإسحاق ، ويذكر إذا كان ذلك إجماعاً أو غير ذلك .

5.  أنه ربما ذكر الضعف ثم قال : لا نعرفه إلا من حديث فلان ، فإذا ذكر ذلك فقد نبه علي أن سبب الضعف هو ذلك المذكور .

·       المآخذ علي سنن الترمذي :

أولاً : تساهله في ذكر بعض الأحاديث التي عدها بعض العلماء من باب الموضوع الضعيف . وذكر له ابن الجوزي أحاديث موضوعة في كتابه (الموضوعات ) وكذلك ذكر له بعضهم أحاديث ضعيفة . ولكن لا يسلم لهم في بعض ما ذكروا من الأحاديث .

ثانياً : تصحيحه وتحسينه لبعض الأحاديث الضعيفة ، حتى قال النووي :( لا بد أن يتابع الترمذي علي تصحيحه وتحسينه ) .

ثالثاً : أنه ربما ذكر جملة من الحديث وترك باقيه ، والأولي أن يورد الحديث كله ليكون أبرك وأنفع وأحسن .

ولكن حسناته أكثر وأكثر ، رحمة الله رحمة واسعة ، ولقد كان من العباد الكبار ، حتى أنه بكي من خشية الله حتى عمي .

رابعاً : سنن أبي داود :

ربما يحتل المكانة الرابعة بعد سنن النسائي . قال بعض أهل العلم : ( أصبح كتاب أبي داود حكماً بين أهل الإسلام وفيصلاً في مواطن الخصام ، إليه يتحاكم المتحاكمون وبحكمه يرضي المنصفون ).

وممن اختصره : المنذري في مختصر متداول ، وابن القيم في تهذيبه ، وكذلك صنف الألباني صحيح أبي داود وضعيف أبي داود .

 

·       مميزات سنن أبي داود والمآخذ عليه :

من مميزاته : أنه جمع أحاديث الأحكام . قال عبد المؤمن بن علي الحاكم المغربي : ( أصولنا ثلاثة : القرآن ، وسنن أبي داود ، وهذا السيف ) . وهذا الحاكم هو الذي يقول فيه الشاعر :

مـا هـز عـطـفـيه بين البيـض والأسـل                 مـثل الخـلـيفـة عـبد المـؤمـن بن عـلي

فكتاب سنن أبي داود جمع أحاديث الأحكام والزيادات جمعاً عجيباً ، حتى قال الغزالي : ( هو كتاب المجتهد ، ومن أراد أن يجتهد فعليه أن يستحضر سنن أبي داود ) . وقالوا : ألين الحديث لأبي داود كما ألين الحديد لداود عليه السلام .

وكان أبو داود رحمة الله من العباد والزهاد الكبار ، وهو من تلاميذ الإمام أحمد وأشبه الناس به ، وقد روي عن الإمام أحمد حديثاً واحداً هو حديث العقيقة ، فكان ذلك شرفاً للتلميذ .

وربما يؤخذ علي سنن أبي داود بعض الأحاديث الضعيفة التي أوردها رحمة الله وهذا لا يسلم منه بشر .

 

خامساً : سنن النسائي :

وللنسائي كتابان في السنن : السنن الكبرى والصغرى ، والكبرى طبعت حديثاً وقد حققها مجموعة من طلاب العلم من جامعة الإمام محمد بن سعود في رسائل الماجستير ، أما الصغرى وهي المسماة بالمجتبي فهي التي بين أيدينا ، وهي أصح من سنن أبي داود والترمذي وابن ماجة . وتقع بعد البخاري ومسلم مباشرة ، وشرطه فيها قوي حتى قال بعضهم : هو أصح شرطاً من البخاري ، وهذا قول مبالغ فيه .

 

·       شروحه :

هو من أفقر الكتب شروحاً ، وعليه تعليق للسيوطي والسندي لكن يحتاج إلي شرح .

 

سادساً : سند ابن ماجة :

وهو أضعف الكتب الستة ولكن له مكانة لا تجهل عند أهل السنة . وقد أتي بأحاديث بلغت حد الوضع ، مثل حديث قزوين وفضلها وغيره . وقد روى أحاديث مرفوعة والصحيح أنها موقوفة مثل حديث : ( فقيه واحد أشد علي الشيطان من ألف عابد ) ، وهذا من كلام أبن عباس ، وكذلك حديث ( إن من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر )   وهو من كلام أنس ، وغير ذلك .

حتى أن بعض أهل العلم لم يعده السادس في الكتاب إنما جعل الموطأ السادس كابن الأثير ، وبعضهم عدا الدرامي السادس .

 

سابعاً : مسند الأمام أحمد :

هـو البـحـر مـن أي النـواحــي أتـيـتـه             فـدرتـه المـعـروف والجـود سـاحـلـه

وهذا الكتاب غالباً لا يفوته شئ من الكتب الستة إلا نادراً .

قال الشيخ أحمد شاكر رحمة الله : ( لا أعلم أحداً حفظه إلا ما يكون من ابن تيمية أو ابن القيم أو ابن كـثير ) .

وأنا أرشد إلي اقتناء هذا الكتاب والصبر علي قراءته وفهمه من أوله إلي آخره ، حتى تتصور روح الإسلام وعظمته وسيرة نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام .

ومسند الإمام أحمد فيه الصحيح وهو أكثره ، وفيه الحسن ، وفيه الضعيف . ولكن ليس فيه بحمد الله موضوع كما قال ابن تيمية [ في المجلد الثامن عشر من الفتاوى ] .

ففيه روايات ضعيفة عن ابن لهيعة ، وقيس بن الربيع ، ورشدين بن سعد ، وقد يوجد فيه جملة أو حديث وهم فيه راويه .لكن بحمد الله ليس فيه موضوع .

وقد دفع ابن حجر ما اتهم به المسند وهي اثنين وثلاثين أو ثلاثة وثلاثة وثلاثين حديثاً ، وذلك في كتابه (القول المسدد في الذب عن مسند أحمد ) .

 

ثامناً : موطأ الإمام مالك :

وهو أول ما ألف في الصحيح . قال الشافعي : ( ما تحت أديم السماء أحسن من موطأ مالك ).

ويلاحظ علي الموطأ أمران :

الأول : أنه بديع خاصة في قوته وفي شرطه القوي وفي إيراده آثار الصحابة وكلام الإمام مالك . لكن الحديث المرفوع إلي النبي ( صلي الله عليه وسلم ) فيه قليل يعني ما يقارب خمسمائة حديث .

الأمر الثاني : أنه يحتاج إلي تخريج للأثار التي فيه . وقد خدمه ابن عبد البر رحمة الله في ( التمهيد ) فأتي بالعجب العجاب ، فوصل المقطوعات وذكر الموقوفات والمرفوعات ، فجزاه الله خير الجزاء .

 

تاسعاً : سنن البيهقي :

وهو من أعظم ما ألف في الأحكام . قال الذهبي في ترجمة ابن حزم ( من كان عنده في بيته أربعة كتب ثم أدمن النظر فيها فهو العالم حقاً : المحلي لابن حزم ، والمغني للحنابلة ، والتمهيد لابن عبد البر ، وسنن البيهقي ) .

وسنن البيهقى فيها كثير من الأحاديث الضعيفة فلينتبه لها . وقد حاول الذهبي أن يختصر سنن البيهقي فكتب فيها مجلدين ولم يكملها .

 

عاشراً : جامع الأصول :

جامع الأصول من الكتب التي أرشد طالب العلم إليها بعد كتاب الله ، وهو من ألطف وأحسن ما ألف ، قال ياقوت  الحموي : ( أقطع قطعاً أنه لم يؤلف مثله ) .

وابن الأثير ـ وهو من علماء القرن السادس ـ جمع في كتابه هذا صحيح البخاري ومسلم وسنن أبي داود والترمذي والنسائي وموطأ مالك ، وحذف الأسانيد والمكررات ، ثم ذكر من خرج الحديث ، وشرح الغريب . والكتاب مطبوع في أحد عشر مجلداً ، وقد حقق نصوصه وخرج أحاديثه وعلق عليه الشيخ عبد القادر الأرناؤوط .

 

·       المآخذ عليه :

1.     أنه رتب حروف الهجاء وهذا أمر شاق ، فإن التأليف علي الأبواب أحسن .

2.     أنه ذكر الروايات ،و لكنه أهمل بعضها.

3.     أنه غفل عن بعض الأحاديث التي عند الستة ، فلم يوردها في جامع الأصول .

 

الحادي عشر : مجمع الزوائد:

وهو من الكتب الحديثة في الساحة الإسلامية ، التي جمعت زوائد المسند الإمام أحمد وأبي يعلي والبزار والمعاجم الثلاثة للطبراني ، وقد تكلم فيه الهيثمي عن الأحاديث ، لكن كلامه فيه تساهل ، يقول : ورجاله ثقات ، وهذا لا يعني الصحة فإنه قد يكون فيه انقطاع في السند ، والكتاب محتاج إلي تحقيق(1) .

 

 

 

 

 

 

 

كتب الرجال

 

أعظم كتاب عند المسلمين في علم الرجال هو كتاب (الكمال في أسماء الرجال ) لعبد الغني بن سعيد المقدسي ، وهو البحر بجواهره ودرره ، ولكن فيه إغفال وإخلال ، فجاء المزي –من علماء القرن السابع ومن زملاء ابن تيمية – فهذب الكمال وزاد عليه ونقحه ووشحه ودبجه فأحسن كل الإحسان وذلك في كتاب ( تهذيب الكمال ) . ثم أتي ابن الحجر فهذب ( تهذيب الكمال ) في كتابه ( تهذيب التهذيب) ثم ألف ( تقريب التهذيب ) .

 

·       تذكرة الحفاظ للذهبي :

وهي تعنى بمن حفظ الحديث ، وكان حجة فيه وله القول في التضعيف والتصحيح والجرح والتعديل ، فلا يأتي فيه إلا بالجهابذة .

 

·       سير أعلام النبلاء للذهبي(1) :

وهو كتاب مطبوع – في خمسة عشرين مجلداً – محقق ، وهو من أحسن الكتب في الرجال لا يتقيد بصنف أو طائفة معينة من الناس بل يورد العلماء(2) ، والزهاد ، والعباد ،و الملوك ، والوزراء ، والشعراء ، والأدباء ، والفلاسفة ، والمتكلمين ، والمفسرين ، والمحدثين ، والحمقى ، والمغفلين ، والزنادقة ، والملاحدة .

مسح ما يقارب ستمائة سنة من الزمان ومن المكان من حدود الهند إلى الأندلس ، ودخل بلاد المغرب وخرسان وما وراء النهر .

 

·       مميزاته :

1.     إنه يفصل الترجمة على المترجم تفصيلاً، لا يعطيه أكثر من حقه ولا يبخسه ، يقول الإمام أحمد : (شيخ الإسلام صدقاً ، وإمام السنة حقاً ) ثم يأتي إلى الفيلسوف الزنديق فيقول : الزنديق فلان أبن فلان . ويأتي إلى الشاعر فيقول شاعر زمانه وأديب عصره .

2.     أنه يعلق على الأحاديث فلا يمر على الحـديث ـ في الغالب ـ إلا ويذكر هل هو صحيح أو ضعيف .

3.     أنه يذكر الرواة والعصور والتاريخ ، فهو جم الفوائد . كما أنه يذكر كثيراً من الفوائد والتعليقات الظريفة. فهو كتاب ممتع يربي ملكة الذكاء والفهم والاستنباط بالإضافة إلى معرفة الرجال .

 

أما كتب الضعفاء فقد ألف فيها الكثير : منها كتاب الضعفاء لبن حبان ، ومن أشهرها ميزان الاعتدال للذهني ، ولسان الميزان لبن حجر . أما الثقات فمن أوسعها كتاب الثقات لابن حبان وهو من أحسن ما كتب . وفيما ذكر غنية إن شاء الله .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

غريب الحديث

 

أحياناً تصادفك كلمة في الحديث ، وتكون كالآجر في وسط الجدار لا تهتدي لمعناها ، فحينئذ لا يكون أمامك محيص إلا الرجوع لكتب غريب الحديث لتتعرف علي معناها . ومن كتب الغريب :

( غريب الحديث ) لابن قتيبة ، وقد ذكر فيه حوالي ثلث الغريب ، وكذلك لأبي عبيدة معمر بن المثني كتاب في الغريب وهو متقدم في الزمن علي أبن قتيبة ، وكذلك لأبي عبيد القاسم بن سلام كتاب ( غريب الحديث ) وهو أحسن ما كتب في الغريب ، وكتاب ( غريب الحديث ) لإبراهيم الحربي ، و( غريب الحديث الخطابي ) وكلاهما عجيب . وجمع الكل ـ أو حاول ـ كتاب ( النهاية في غريب الحديث ) لابن الأثير . وللزمخشري كتاب ( الفائق ) في الغريب ، وكلها مطبوعة ، وأحسنها عندي لابن الأثير .

 

المصطلح :

علم المصطلح علم وسيلة وليس مقصداً أو غاية ، وإنما هو طريق إلي معرفة الحديث . ومن أهم ما كتب في هذا الباب ( مقدمة ابن الصلاح ) ، وقد لاقت قبولاً تاماً وشرحت واختصرت . ولابن حجر نكات وتعليقات طيبة علي ابن الصلاح وله شرح كذلك .

ومن الكتب في هذا الفن ( الباعث الحديث ) لابن كثير ، وهو من أحسن الكتب ويرشح للقراءة .

ومنها كذلك ( نخبة الفكر) وشرحه ( نزهة النظر) وكلاهما لابن حجر .

ومنها كذلك ( ألفية العراقي ) للمنتهي في هذا العلم والمتبحر في هذا الفن ، وعليها شرح ( فتح المغيث ) للسخاوي وهو من أحسن ما كتب وهو في ثلاثة مجلدات .

وللسيوطي أيضاً ألفية في المصطلح لكن ألفية العراقي أحسن وأجود .

 

الأحاديث المشتهرة ، والموضوعات :

من الكتب التي تبين الأحاديث الموضوعة كتاب ( الموضوعات ) لابن الجوزي أربعة أجزاء في مجلدين ، حيث استوعب كثيراً من الأحاديث الموضوعة ، لكنه توسع في ذلك فجعل بعض الأحاديث الحسنة والضعيفة من باب الموضوع . والكتاب يعطي القارئ فيه دربة في هذا الفن ، وهو عمدة كثير من العلماء حتى كان يعتمد عليه ابن تيمية ، وحينما تكلم عن ابن الجوزي قال : هو صاحب فنون والحديث من أحسن فنونه .

وأيضاً من هذه الكتب كتاب ( الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة ) لملأ علي القارئ ، أورد فيه كثيراً من الأحاديث الموضوعة ، والفوائد الجمة .

وكتاب الشوكاني ( الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ) وقد استوعب ما مر وأجاد كل الإجادة .

وأيضاً كتاب ( كشف الخفاء ومزيل الالتباس فيما اشتهر علي ألسنة الناس) للعجلوني . فإذا كان الحديث مشتهراً عند الناس فإنه يذكره ويبين درجاته إن كان صحيحاً أو حسناً أو ضعيفاً .

وهناك أيضاً تمييز ( الطيب من الخبيث) للأثري ، وكتاب ( المقاصد الحسنة ) للسخاوي وهو أفضل هذه الكتب .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفـقـه

والفقه هو عصارة الأحاديث النبوية والآيات القرآنية ، وأنا أتكلم عن واقعنا وعن مجتمعنا و الكتب المشهورة عندنا.

ومن أحسن المختصرات التي رايتها وأهتم بها أهل العلم في هذه الفترة : ( زاد المستنقع ) وهو كتاب فذ ، ولكن فيه قضايا ومسائل نادرة الوقوع ومسائل مرجوحة وليست راجحة ، ويمكن أن يكون عشرون بالمائة من مسائل الكتاب ضعيفة عند أهل العلم من المحدثين .

 

أما مميزاته فهي :

                      أنه اقتضب العبارة ولم يبسطها بسطاً يتعب من يريد أن يحفظه .

                      أنه أكثر من إيراد المسائل حتى أورد ألوفاً منها . وقد علق عليه الشـيخ البليهي ـ رحمة الله وجزاه خيراً ـ  في كتاب ( السلسبيل ) ، فأتي بكل عجيب ، ولو لم يكن له بعد الإسلام حسنة إلا هذا الكتاب لكفاه فخراً .

والكتاب عليه حاشية عجيبة لابن قاسم(1) خاصة في نقل كلام ابن تيمية وابن القيم .

ومن الكتب كذلك كتاب الروض المربع شرح زاد المستنقع وهو كتاب جيد ومبسوط ، لكن فاته الاهتمام بالأحاديث حتى أتي بأحاديث موضوعة وباطلة مثل حديث : ( أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ) . فلابد أن يبين فيه الصحيح والضعيف . وذكر الأحاديث التي لا تصح مثلبة يقع فيها بعض الفقهاء .

ومن الكتب كذلك ( العدة شرح العمدة ) ، وهو من أحسن ما كتب ، وميزته الاختصار بين التطويل والإيجاز . ولكنه كذلك يحتاج إلي كثير من الأحاديث في المسألة وإلي تخريج الأحاديث وذكر الصحيح .

ومنها : ( المغني ) لابن قدامة ، وهو المنتهي لمن أراد أن يتفقه خاصة في فقه الحنابلة بل في الفقه مطلقاً ، قال بعضهم : لا نعلم في كتب الفقه مثل المغني ، وصدق فإذا كان في مكتبتك فاعتمد عليه بعد الله في الفتيا والمسائل .

 

·       ومميزاته هي :

1.     نقل كلام العلماء في المسألة من المتقدمين وإلي عصر المؤلف رحمة الله ، وخاصة المشهورون .

2.     يورد الأحاديث المشهورة في المسألة .

3.     يوظف أصول الفقه لخدمة كتابه ، ويستخدمه استخدام خبير .

 

·       ومن المآخذ علي المغني :

                      عدم القيام بتصحيح الحديث أو تضعيفه كما يفعل أهل العلم من النقاد ، وهذا أعظم مأخذ عليه(2) .

                      أنه قد يرجح بعض الأقوال اتباعاً لمذهب الحنابلة ، فلينتبه لذلك .

ومن الكتب : ( المجموع النووي ) وهو من أعظم كتب الفقه . قال ابن كثير في ترجمة النووي : ( لا أعرف في كتب الفقه أحسن منه ، علي أنه محتاج إلي أشياء كثيرة تزداد فيه وتضاف إليه ) .

 

·       ومن مميزاته :

                      أنه يحكم علي الحديث ويتكلم عليه كلام محدثين جهابذة .

                      أنه يستوعب القول في المسألة .

                      أنه قد يأتي باللغويات وأقوال الشعراء في اللفظة .

 

·       ومن المآخذ عليه :

                      أنه يورد أقوال بعض العلماء من صغار الشافعية كرأي البغداديين والخرسانيين ، وهي أقوال في مسائل نظرية ، وفرعيات تثقل طالب العلم .

                      أنه اقتضب في شرح مسائل تحتاج إلي كثير من الاستطراد . ولكنه مع ذلك قد يأتي بالعجب العجاب عند شرحه للحديث كما في شرحه لحديث القلتين في المجلد الأول .

فليت قوة النووي في الحديث جعلها لصاحب المغني ، وليت بسط المغني وأصوله وتنظيره جعله لصاحب المجموع أذن لكان الكمال ، ولكن أبي الله إلا أن يكون الكمال لكتابه هذا وكتاب المجموع لم يتمه النووي ، لأنه توفي بعد أن وصل إلي باب الربا .

ومنها أيضاً : ( المحلي لابن حزم ) .

 

·       ومن مميزاته :

                      أنه كتاب رجل محدث من الدرجة الأولي ، بل هو من علماء الجرح والتعديل ومن كبار الجهابذة .

                      أنه يورد أقوال التابعين ، ويعتمد علي مصنف عبد الرزاق وابن أبي شيبة .

                      أنه يورد كلام الأئمة .

 

ومن المآخذ عليه :

                      أنه يؤول في باب الصفات فلا تؤخذ منه العقيدة . قال ابن تيمية : ( أبو الحسن الأشعري أحسن حالاً من ابن حزم الظاهري ) .

                      أنه تساهل بل وهم في موضوع الغناء فأباحه ، والقول الصحيح علي خلاف ذلك .

                      أنه تفي القياس وتمسك بالظواهر .

                      أنه طعن في بعض العلماء رحمهم الله ، حتى قال بعض العلماء : ( سيف الحجاج ولسان ابن حزم شقيقان ) .

 

ومن الكتب المهمة أيضاً : ( فتاوى ابن تيمية ) ، وحدث عن هذا الجهبذ صاحب العبقرية الفياضة بما استطعت ، فماذا نقول في ابن تيمية رحمة الله ؟!

ألـم تـر أن الـسـيف يـنـقـص قـدره            إذا قــيـل أن السـيف أمـضي مـن العـصا

وكتب ابن تيمية تجمع الفقه وعصارة الإشراق العلمي والتحقيق والإبداع علي مر القرون . فهذا الرجل قد آتاه الله قوة علمية متناهية وصدقاً وإخلاصاً وفهماً ثاقباً وحماساً للإسلام .

ومنها كذلك : ( زاد المعاد ) وهو كتاب يصح أن نلحقه بالفقه في الاستنباط ، ويصح أن نلحقه بالسيرة . يقول أبو الحسن الندوي  فيما نقل عنه : ( لا أعلم كتاباً بعد كتاب الله دبج مثل كتاب زاد المعاد ) وقد حققه الأرناؤوط .

ومن الكتب كذلك : ( سبل السلام شرح بلوغ المرام ) ، وهو من أحسن شروحه التي وصلتنا لكن ينقصه : تحقيق المسائل تحقيقاً أكثر مما ذكر ، وبسط الشرح علي الأحاديث لأنه ربما يأتي في بعض الأوقات بسطر أو سطرين أو ثلاثة علي الحديث ، وينقصه كذلك قوة نسبة الأقوال ، فربما تختلف عليه الأقوال فينسبها لغير صاحبها.

ومنها أيضاً : ( نيل الأوطار ) وهو أحسن ما كتب في فقه الحديث إلي الآن ، وحبذا أن يجعله طالب العلم مرجعاً له .

 

·       ومن مميزاته :

                      التكلم علي الحديث تصحيحاً وتضعيفاً ، وجرحاً وتعديلاً .

                      إيراد أصول الفقه وقواعده وقواعد الاستنباط ودلالات الألفاظ .

                      ذكر كلام العلماء وأرائهم ، والترجيح بينها .

  

 

 

 

 

 

 

فن أصول الفقه

 

وهو من أعظم الفنون عند المسلمين ، بل هو ميزان العلم . وهذا العلم له أصل عند الصحابة الأخيار رضوان الله عليهم ، لكنه ما بدئ التأليف فيه إلا متأخراً ، وأول من ألف فيه فيما نعلم الإمام الشافعي رحمة الله في كتابه ( الرسالة ) .

وطالب العلم لا يستغني في هذا الفن عن ثلاثة كتب : الرسالة للأمام الشافعي ، والمرافقات للشاطبي ، وإعلام الموقعين لابن القيم . فهذه الثلاثة من أحسن ما كتب . وهناك كتب أخري للمتخصصين لا يسمح بذكرها .

وهناك أيضاً كتاب عصري مبسط ، وهو كتاب ( أصول الفقه ) لعبد الوهاب خلاف .

وعلم أصول الفقه من علوم الوسائل مثل المصطلح وعلوم القرآن . فينبغي لطالب العلم أن يعطي لكل شئ قدره ، ولا يغفل عن المقاصد من القرآن والسنة والمتون والشروح .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

كتب العقيدة

 

ولا بد لطالب العلم أن يتوفر في مكتبته ثلاثة كتب في هذا المجال وهي :

أولاً : كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب وشروحه ، ومن أحسنها ( فتح المجيد )(1) ، وكتب أئمة الدعوة .

ثانياً : معارج القبول للشيخ حافظ بن أحمد الحكمي ، فقد أورد مذهب أهل السنة باستفاضة تامة .

ثالثاً : العقيدة الطحاوية ، فقد أورد معتقد السلف بالجملة ، ولو أن بعض المسائل ينبه عليها . وقد نقصه تخريج الأحاديث ، والحمد لله فقد خرجت(2) . وليته ترك علم الكلام في أوله إذن لكان أحسن وأحسن .

ومن كتب العقيدة المعتمدة كتابات ابن تيمية وابن القيم وابن كثير علي الإطلاق . وفي كتابات ابن تيمية تجد التنظير العقدي والبسط والسعة .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التاريخ والسير

 

فن التاريخ فن لا يستغني عنه طالب العلم ، ولا يحتاج إلي كد ذهن ، بل ربما يقرأ في وقت الاستجمام والراحة ، وكتب التاريخ تعطي قارئها المتعة والواقعية والمعرفة بالماضي والاستفادة من التجارب .

وكتب التاريخ المشهورة عند الناس اليوم كثيرة منها : تاريخ ابن جرير ، وتاريخ الأثير ، وتاريخ ابن كثير، وتاريخ المسعودي ، وتاريخ اليعقوبي ، وتاريخ ابن خلدون .وأحسن هذه الكتب ثلاثة تاريخ ابن جرير ، والبداية والنهاية لابن كثير ، والكامل لابن الأثير وأحسن الثلاثة البداية والنهاية لابن كثير ، ثم يضاف إليهم ما أتي بعدها من كتب التاريخ المفيد ة .

أما كتب السيرة ..فأفضلها وأوسعها : سيرة ابن هشام ، وعليل الروض الأنف للسهيلي. وكذلك سيرة ابن كثير وتمتاز بذكر الأسانيد إلا أن هذه الأسانيد تجعلها طويلة لا تناسب كل الناس وإنما تناسب المتخصصين .

ومن أبدع ما كتب : دلائل النبوة للبيهقي ، وقد طبع في ما يقارب تسع أو عشر مجلدات وحققت تحقيقاً عجيباً . والكتاب كما يقول الذهبي : فيه نور وشفاء لما في الصدور .

أما كتب السيرة الحلبية فهو في ثلاثة مجلدات ، لكن صاحب أوغل في الصوفية ، وذكر كلام البوصيري ونظمه وسكت عنه ، وأتي بكلام بعض الصوفية عن الأغيار والأنوار والمقامات والأقطاب والأغواث .

وأيضاً لم يهتم بالتعقيب علي الأحاديث وذكر درجتها من الصحة ، بالإضافة إلي أنه أورد بعض القصص التي لا تصح .

وكذلك يصح أن يعد زاد المعاد من كتب السيرة .

ومن كتب السيرة المعاصرة كتاب السيرة النبوية دروس وعبر لمصطفي السباعي ، لكنه كتاب فكري أقرب منه للنقل والأثر . ومن الكتب الجيدة كتاب الرحيق المختوم في سيرة النبي المعصوم للمباركفوري .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

علم الرقائق والوعظ

أما علم الرقائق والوعظ ففيه كتب في الساحة منها : كتاب ( بستان العارفين ) ، وقد ملأه صاحبه بأحاديث موضوعة فانتبه له ، بل اغسل يديك منه ، ولا مانع من الاستفادة منه مع التنبه والحذر .

وأما كتب إحياء علوم الدين للغزالي ففيه ثلاث مناقب وثلاث مثالب .

 

أما المناقب فهي :

1.     أن الكتاب فيه خير كثير ، وصاحبه رجل تربوي يظهر عليه الزهد و الصدق إن شاء الله كما ذكر ذلك ابن تيمية لما سئل عن الكتاب .

2.     أنه نقل كثيراً من أقوال السلف في علم التربية والسلوك .

3.     أنه أوجد قدماً للسائرين والكتبة في هذا الفن من المسلمين .

 

أما مثالبه فهي :

            1.          أنه لا تؤخذ منه عقيدة ، لأن الرجل أشعري نظار في التمشعر ، وأشعريته من باب تقديم العقل علي النقل لا من باب أشعرية أهل الحديث الذين قصدهم التنزيه .

            2.          أنه قد أورد الأحاديث بلا خطام ولا زمام ، حتى ملأها بالضعاف والموضوعات ، فلينتبه له ، وقد تعقبه الحافظ العراقي(1) .

            3.          أنه يورد كثيراً من القصص الغريبة للصوفية ويسكت عليها . مما يبين أن صاحبه معجب بالصوفية بل يواليهم ويمجدهم ، فلينتبه لذلك .

 

وقد اختصر ابن الجوزي كتاب الغزالي(2)  هذا في كتابه : ( منهاج القاصدين ) وهو مختصر لطيف . واختصر المنهاج ابن قدامة في (مختصر منهاج القاصدين )(3) .

وأفضل من هذه كتاب ( رياض الصالحين ) ، وهو الكتاب الفذ الذي أعلن قوته ومناعته وصموده أمام الإعصارات والانتقادات من الكثيرين . وهو الكتاب الذي يعتمد عليه إمام المسجد والخطيب والداعية والمصلح والمربي . وقد رزق هذا الكتاب قبولاً لقيمته ولنية صاحبه التي نظن والله أعلم أنه صدق مع الله فيها .

وأيضاً من الكتب المهمة في ذلك المجال : كتاب ( الترغيب والترهيب ) ، وهو أوسع من رياض الصالحين وأكثر إيرادات وفوائد في باب الترغيب والترهيب . ولكن فيه أحاديث واهية وضعيفة(4) .

والكتاب الذي يلي هذا : ( طريق الهجرتين ) ، وهو من أحسن ما كتب ابن القيم . لكنه أعجب ببعض الكلمات للصوفية مثلما فعل في( مدراج السالكين )(5) .

وكذلك كتب ابن القيم في الرقائق والسلوك تؤخذ جملة وتفصيلا ً ولا يسئل عن مثله ولو أنه بشر يخطئ ويصيب ، لكنه أجاد خاصة في المجلد العاشر والحادي عشر من الفتاوى .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الأدب

 

وما أحسن أن يقدم  طالب العلم علمه ودعوته في قوالب من الأدب . وطالب العلم والعالم إذا كان ناقص الأداء في الأدب يكون كالرجل الذي يتوكأ علي عصا مكسورة ، إن تكلم لا يجيد الكلام ، وإن باحث لا يجيد المباحثة ، وإن ناقش لا يجيد المناقشة . والمقصود أن يكون الأدب شعره ونثره أداة في تبليغ علم الداعية .

ومن الكتب المرشحة في الساحة : ( روضة العقلاء ) لأبي حاتم بن حبان البستي ، و( أدب الدنيا والدين ) للماوردي ، و( انس المجالس ) لابن عبد البر . هذه كتب يتداولها أهل السنة والجماعة في الأدب وفيها حياء وعفاف وستر ، أما الكتب الأخرى التي يجب التنبه لها والحذر منها فمثل كتاب ( المستطرف في كل علم مستظرف ) ففيه بذاء وفحش حتى نزل بنفسه إلي الحضيض ، نسأل الله أن يتجاوز عنا وعنه .

ومن الكتب في مجال الأدب : ( العقد الفريد ) لابن عبد ربه ، وهو من أحسن الكتب فوائد ، لكن عليه ثلاثة ملاحظات :

            1.          أنه يورد كثيراً من الأحاديث الموضوعة والباطلة ثم لا يعلق عليها .

            2.          الرجل الشيعي يتكلم في بني أمية ويزري عليهم خاصة الصدر الأول منهم كمعاوية وابنه .

            3.          أمه يفحص في باب النساء وفي بعض الأبواب ، كأبواب الحمقي والمتماجنيين . وهذا لا يليق بالمسلم الأديب الذي يريد الله والدار الآخرة .

 

ومن الكتب كذلك : ( عيون الأخبار ) ، وهو من أحسن الكتب ، وقد أجاد كل الإجادة في النقولات – وهو أوثق من العقد الفريد – لكنه أفحش كذلك في بعض المواطن .

ومن الكتب كذلك : ( الأغاني ) لأبي الفرج الأصبهاني وهو أكبر كتاب في الأدب ، ويبلغ اثنين وثلاثين مجلداً .

ومن مميزاته :

            1.          كثرة اللغويات والأشعار الجميلة والمقطوعات الأدبية الرائقة الرائعة لكثير من الشعراء .

            2.          أنه يفتق لسان المتكلم والأديب والخطيب والعالم .

            3.          أنه حوى كثيراً من الدرر الأدبية التي لا تنكر .

لكن الرجل أخفق إخفاقات عجيبة منها أنه أتي بالكذب ، طعن في الخلفاء خاصة هارون الرشيد وخلفاء بني أمية . وذلك لان الرجل شيعي . وذلك أمر عجيب لأنهم يقولون إنه من سلالة بني أمية :

يـومـاً يـمـان إذا لـقـيـت ذا يـمـن                      وإن لـقـيـت مـعـدياً فـتـعـدنـان

ثم الرجل في باب الديانة أمره إلي الله عز وجل ، ولا تؤخذ منه القصص إلا للاعتبار ، وذلك لأنه تماجن كثيراً في كتابه ، فلا يقرأ فيه إلا من تحصن بالعقيدة السليمة ، وتمكن من نفسه وسأل الله العافية .

 

·       كتب الشعر :

أما الشعر فمن أحسن كتب الشعر التي وردت عند المسلمين ( مختارات البارودي ) وهو في أربع مجلدات ، وقد جمع فيه ما يقارب شعر ثلاثين شاعراً من صدر الإسلام ، من بعد بشار من المولدين أمثال أبي الطيب المتنبي، وأبي تمام ، والبحتري ، وأبي العلاء المعري ، وعمارة اليمني ، وابن الخياط ، وأبي العتاهية ، وابن الرومي . جمع لهؤلاء أحسن ما قالوا .

ومن الدواوين المهمة ( ديوان المتنبي ) شاعر العربية بلا منازع ، وما أحسن شعره وإيراداته وإشراقاته ولطائفه . وليته استخدم شعره في نصرة الإسلام ورفع راية التوحيد ، لكنه شرق وغرب يريد الإمارة وما حصل عليها !

وكذلك من الدواوين الجيدة : ( ديوان أبي تمام ) وهو من أحسن ما قيل . وأبو تمام أحسن حالاً من المتنبي لكن المتنبي أشعر .

وكذلك من الشعراء المحدثين : أحمد شوقي وهو شاعر القمة حتى سموه أمير الشعراء .

ومنهم كذلك : محمد إقبال . وهو شاعر إسلامي مجيد ، وله قصائد مترجمة مثل قصيدة شكوى وجواب شكوى، وترجم عبد الوهاب عزام شعره .

 

مؤلفات المعاصرين

 

أما مؤلفات العصر فمن أهمها : مؤلفات الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي علامة القصيم رحمة الله ، فهي من أحسن ما كتب في هذا العصر .

وكتب سماحة الشيخ الوالد عبد العزيز بن باز رحمة الله ، وكتب الشيخ محمد بن صالح العثيمين ، وأمثالهم من العلماء .

وفي الختام : أسال الله تعالي أن ينفع بهذا الكتاب وأن يجعله خالصاً لوجهه .

سبحان ربك رب العزة عما يصفون ، وسلام علي المرسلين ، والحمد لله رب العالمين .

وصلي الله وسلم وبارك علي نبينا محمد وعلي آله وصحبه أجمعين .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

حق العالم

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام علي اشرف المرسلين نبينا محمد واله وصحبه أجمعين .

أما بعد ...

في هذه الرسالة سيكون الحديث عن فضل العلم وعن حقوق العلماء في الإسلام ، أي :ما هو واجبهم تجاه أمتهم ؟ وما هو واجبنا تجاههم ؟

فأقول :

أما فضل العلم : فيكفي في ذلك قول علي ابن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه : كفي بالعلم شرفاً أن يدعيه من ليس من أهله .

فالعلم يدعيه كل إنسان ،حتى الجهلة يدعون أنهم علماء لشرف العلم .

وقال ابن عبد البر : ومن أحسن الكلم ما قال علي ابن أبى طالب : قيمة كل امرئ ما يحسن .

فقيمتك المعلومات التي في ذهنك إذا اتقيت الله بها وعملت بها ،فقيمة المرء ليست بجسمه ولا بوزنه ولا بشحمه ، وإنما هي بالفضل الذي يحمله ، وبالمواثيق التي لله عليه إذا عمل بها .

ويقول سبحانه وهو يشهد علي ألوهيته : ( شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (آل عمران:18) والشاهد هنا (وأولوا العلم).

قال ابن كثير في التفسير : وهذه خصوصية عظيمة للعلماء في هذا المقام .

وأي خصوصية أن يجعلهم الله معه ومع ملائكته يشهدون بألوهيته ؟

وقال سبحانه :( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ )(فاطر: من الآية28) فهو سبحانه بعدما ذكر الله الآيات الكونية وآياته الشرعية وذكر ما للعلماء من منزلة قال ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)(فاطر: من الآية28) ومفهوم المخالفة في الآية أن غير العلماء لا يخشون الله .

ووجد أن أكثر الناس عودة للإسلام من نبغ في العلم التجريبي الكوني ، كالذين ألفوا كتاب (الله يتجلي في عصر العلم ) وغيرهم .

وقال تعالي ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ )(الزمر: من الآية9) والجواب مسكوت عنه للعلم به ،أي أنهم لا يستوون وأن العلماء افضل .

والله يقول ( وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ)(العنكبوت: من الآية43) أي لا يفهم الآيات البينات ، ولا يعقل مقاصد الأمور ، ولا تأويل الحوادث ، إلا أهل العلم .

ويقول سبحانه : ( بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْم)(العنكبوت: من الآية49)

 ثم يقول سبحانه ( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات)(المجادلة: من الآية11)

ويقول سبحانه للرسول (صلي الله عليه وسلم ) في أول الطريق ( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ) (محمد: من الآية19)

قال البخاري في الصحيح :فبدأ بالعلم قبل القول والعمل .

وقال سبحانه : ( وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْأِيمَانَ) (الروم: من الآية56) ، لأنه يوجد في الساحة من يعيش بعلم بلا إيمان .

فهناك دكاترة يحملون الدكتوراه ولكنهم لا يصلون الفجر في جماعة .

وعندنا دكاترة قطعوا أرحامهم ، وعندنا دكاترة استهزؤا بالدين ، وعندنا دكاترة تهجموا علي شباب الدعوة والملتزمين ، وعندنا دكاترة تجرؤا علي اقتحام الشريعة .

أين العلم ؟ (يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) (الروم:7) ، ( بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ) (النمل:66) .

إذا لــم يــزدك العــلـم خــيراً                فـلـيـتـك ثـم لــيـتـك مـا عـلمـت

وإن ألـقــــاك فـي مــهــاو                  فـلـيـتـك ثـم لــيـتـك مـا فـهـمت

ولما انفصل العلم عن الإيمان صار العلم طاغوتاً يعبد من دون الله .

نشرت إحدى الجرائد خبراً يقول (امرأة فنزولية تلد كلباً ) ، أي أنهم لقحوا المرأة بمني الكلب !

فهل يجوز هذا شرعاً ؟

لا .. ولكنهم فعلوا ذلك لأنهم يعلمون ولكن لا يؤمنون .

ويقول (صلي الله عليه وسلم ) وهو يصف رسالته ويصف دعوته كما في الصحيحين عن أبي موسى رضي الله عنه (مثل ما بعثني الله به من الهدي والعلم كمثل الغيث)، وقال أيضاً (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين )(1)، وبمفهوم المخالفة أن من لم يرد الله به خيراً لا يفقهه في الدين .

والفقه في الدين هو الفقه في العلوم الشرعية والإفتاء .

هذا بعض فضل العلم في الكتاب والسنة .

ولكن قد تدخل علي العلماء وطلبة العلم آفات .

وأعظم الآفات هي :الكبر والرياء والحسد .

أما الرياء فقال الرسول (صلي الله عليه وسلم ) في الصحيحين : ( من راءي راءي الله به ، ومن سمع سمع الله به ) .

وأول من تسعر النار بهم ثلاثة :عالم تعلم ليقال عالم .

وهذه آفة لا يدركها إلا الفطناء من المخلصين .

وأما الكبر فإنه من تكبر علي الله وضعه ،وحقيق بمن حمل الكبر أن يذله الله عز وجل وألا يجعل له قبولاً.

والعالم إذا تكبر علي الناس وتاه عليهم انسلخت محبته من القلوب وذهبت بشاشته وملاحته ، فما انقاد له الناس واصبح مبغوضاً في أوساطهم .

وهذه سنة الله في المتكبرين .

يقول أحد الشعراء في المتكبرين :

وجــوهــهم مـن ســواد الكــبر عـابسـة            كـأنـما أورد غـــصـبـاً إلي النــار

هــانـوا عـلي الله فاســتـاءت مـنـاظـرهم           يـا ويـحـهـم مـن مـنـاكـيد وفجـار

لـيـســوا كـقـوم إذا لا قـيـتـهـم عـرضاً            أهـدوك مـن نـورهم ما يتحـف السـاري

تـروي وتـشــبـع مـن سـيـماء طـلعـتـهم           بـذكـرهـم ذكـر وكـالواحــد البـاري

 

و أما الحسد فهو يصيب بعض العلماء عندما يرون الخير والقبول قد كتب لغيرهم من أقرانهم .

ولا يستغرب هذا .. لان الحسد يهجم علي كل النفوس البشرية لأنها ضعيفة.

قيل للحسن البصري : أيحسد المؤمن ؟

قال : وما أنساكم إخوة يوسف.

أي أنهم حسدوا أخاهم وهم أبناء نبي .

بل إن الحسد هو أول ذنب عصي به الله عندما حسد إبليس آدم .

فلذا نقول : الكريم يصرفه عن قلبه ويدعو لأخيه بالتوفيق ، ويحب له ما يحب لنفسه ، لانه إذا حسد فقد أساء الأدب مع الله الذي اختاره لحمل العلم ولنشره .

ألا قـل لـمـن بـات لـي حـاسـداً                         أتـدري عــلـي مـن أســأت الأدب

أســأت عــلي الله فـي حـكـمــه              لأنـك لـم تـرض لـي مـا كــتـب

فواجب علي العلماء تطهير أنفسهم من هذه الآفات (الرياء والكبر والحسد )،فإنها آفات مهلكة تمحق بركة العلم ، وتبغض المرء إلي قلوب الخلق .

أما حق العلماء علي الناس :فهي أربعة حقوق :

أولاً : الرد عليهم

ثانياً : حماية أعراضهم .

ثالثاً : عذرهم فيما أخطأوا فيه.

رابعاً: ربط الشباب بهم

أما الرد إليهم فقد أوجب الله علينا ذلك عند المسألة وعند التـنازع فقال : ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (الأنبياء: من الآية7) .

ويقول سبحانه : ( وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) (النساء: من الآية83) ، وهم العلماء الذين يستنبطون الحكم من النصوص .

أما عدم الرد إليهم بالشبهات وبالشكوك وبالظنون فهو يؤدي إلي فتح باب الفتوى علي مصراعيه أمام الفتيان الصغار الذين لا يتورعون عن إبداء رأيهم وفتاواهم في مسائل كجبل تهامة ،ولو عرضت للصحابة لجمع لها عمر أهل بدر .

وفي الأثر : ( أجرؤكم علي الفتيا أجرؤكم علي النار ).

أما حماية أعراضهم فاعلموا رحمكم الله أن لحوم العلماء مسمومة ، وأن عادة الله فيمن تنقصهم معلومة ، وأن أسوار من استهزأ بهم مهدومة ، لأن العالم هو من وارثي الأنبياء عليهم السلام ،وقد أقام به بلاداً كثيرة .

يقول تعالي ( أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا) (الأنبياء: من الآية44) .

قالوا : هو موت العلماء ، أورده الشوكاني وغيره .

فموت العالم ثلمة في الإسلام ، وموت العالم زلزال في الأمة ، وموت العالم جرح لا يندمل غلا بعالم آخر. فواجب علينا أن نحفظ حقوقهم بعد أن رأينا يقدير الله لهم وعظم شأنهم عنده سبحانه ،وأن نرد عن أعراضهم ، إذا رأينا من يتطاول ويتقدم في المجالس ، وأن نحتسب الأجر في ذلك لأنه ( صلي الله عليه وسلم ) يقول ( من ذب عن عرض أخيه ذب الله النار عن وجهه يوم القيامة )، رواه احمد وغيره .

وأما عذرهم عند الخطأ فأقول : أن العلماء ليسوا معصومين ، لأن من عقيدة أهل السنة أنه أيس هناك معصوم إلا الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام ، أما العالم فليس بمعصوم .

فقد يأتي بمسألة يظن أنها صحيحة وهي غير صائبة ،ولكنه قد اجتهد في تحريرها ، وبحث أدلتها .

أفنبطل جهوده وعدالته ؟والرسول (صلي الله عليه وسلم ) يقول : ( إذا اجتهد الحاكم وأصاب فله أجران ، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد )(1).

ولابن تيمية رسالة بديعة اسمها : ( رفع الملام عن الأئمة الأعلام )، وقد عذرهم فيها أهل العلم في مسائل الفروع المختلف فيها ،ومن أعذارهم أن لا يكون الدليل قد بلغ العالم أو أن يكون الدليل غير ثابت عنده .

ومن الأعذار أن يختلف العالمان في فهم النص ، كقوله سبحانه وتعالي ( وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِه) (الأنعام: من الآية141) ، فهم الأحناف من هذه الآية أنها تعم الثمار والحبوب والخضروات.

فقالوا : في الخضر وات الزكاة .

وقال الجمهور : الآية في ما يحصد لأن الله يقول :( يَوْمَ حَصَادِهِ )(الأنعام: من الآية141) والجرجير والخس والبقدونس من الخضر وات لا يحصد ؟

وهكذا في أدلة كثيرة.

وأما ربط الجيل والأمة بهم : فلأنه لا بد للأمة من موجهين مهرة يحفظون لها توازنها ويبعدونها عن الفوضى والتشتت والاضطراب .

يقول الشاعر :

لا يـصـلـح النـاس لا ســراة لـهـم             ولا ســراة لـهـم إذا جـهـالـهـم سـادوا

ويكون ربط الجيل بهم بكثرة ذكرهم وإبراز علومهم ونشرها ، بواسطة وسائل النشر .

واعتماد فتواهم إذا عضدها الدليل .

وعدم تخطيطهم إلي غيرهم ممن لم يبلغ معشار علمهم .

وزيارتهم بين الحين والآخر .

ومشاورتهم .

وتسهيل اتصال شباب الجيل بهم .

وعدم التعرض لهم بقدح .

والذب عنهم كما سبق .

 

·       حقوق علي العلماء :

نحن نطالب العلماء بأربعة مطالب وهي متحققة أن شاء الله في الكثير منهم .

الأول : عدم كتمان الحق .

الثاني : ألا يقولوا علي الله إلا الحق .

الثالث : أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر .

الرابع : أن ينزلوا إلي الناس ويكونوا علماء عامة مع الأمة ،يجلسون في أوساط الأمة ، وفي مجالس الأمة ،وفي مساجد الأمة .

ويقودون الشبيبة ويوجهون الأمة إلي مرضاة الله .

أما عدم الكتمان فهو مطلب أساسي ، والكتمان مصيبة وكبيرة من الكبائر ،نعوذ بالله من ذلك .

وكتمان الحق جبن ، وكتمان الحق انهزام في الشخصية ، وكتمان الحق فشل .

ويوم تصبح هذه الظاهرة عند العالم تضعف الأمة لأنها لا تصدقه ولا تثق به .

يقول الله محذراً من الكتمان ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (البقرة:160) .

ويقول سبحانه مشيداً بمن يقول الحق ( الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ)(الأحزاب: من الآية39) .

يعني : يبلغون ما أنزل الله من الكلام ، رضي من رضي ، وسخط من سخط .

وعند أبن حيان :( من أرضي الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس ، ومن أرضي الله بسخط الناس رضي الله عليه وأرضي عليه الناس).

ويقول (صلي الله عليه وسلم ) فيما صح عنه : ( من كتم علماً ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار )(1).

فالأمة مع كتمان العلماء ستعيش مضطربة حائرة لا تدري أين الصواب ؟ وأين الطريق ؟ بل يتخطفها الناس بسبب العلماء .

والكتمان بلية أصيب بها بنو إسرائيل.

قال سبحانه ( وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ )(النساء: من الآية37).

قيل : العلم.

وأما عدم قول الحق فلأن الله يقول ( وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ) (النحل:116) ، أي : لا تحللوا المحرم ولا تحرموا المحلل.

وأما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ،فإنه متصل بما سبق ، فما دام لم يكتموا الحق فإنهم سوف يأمرون وينهون لأنهم لا يخشون إلا الله .

وفائدة العلم هي في الأمر بالمعروف والنهي ، لأنك به تحقق علمك عمليا ًوسلوكياً .

كان أبن تيمية بعد فراغه من درسه ينزل إلي الأسواق ويأمر بالمعروف وينهي عن المنكر بنفسه .

ويقول سبحانه عن العلماء وطلبة العلم محذراً لهم من مسلك بني إسرائيل ( لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْأِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) (المائدة:63) .

فواجب علي العلماء الأمر بالمعروف في كل مكان والنهي عن المنكر بالأسلوب الحسن الذي هم أعلم به مني .

وقال سبحانه : ( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ )(آل عمران: من الآية104) .

وعند ابن حبان عن أبي ذر وهو حديث صحيح قال له (صلي الله عليه وسلم ) : ( قل الحق ولو كان مراً ) لأن الحق مثل العلقم فيه تقديم الرؤوس .

ودخل الأوزاعي علي عبد الله ابن علي عم أبي جعفر المنصور فقال للأوزاعي : ما رأيك في الدماء التي سفكناها ؟

قال حدثنا فلان عن فلان عن ابن مسعود قال : قال رسول الله (صلي الله عليه وسلم) : ( لا يحل دم مسلم إلا بإحدى ثلاث : الثيب الزاني ،والنفس بالنفس ، والتارك لدينه المفارق الجماعة )(2) .

فسأله عن الأموال .

فقال : إن كانت حلالاً فحساب ، وإن كانت حراماً فعقاب .

قال : اخرج ، فخرج وأنجاه الله .

فقالوا للأوزاعي : كيف استطعت أن تتحدث ؟

قال : والله  ما دخلت عليه إلا وتصورت عرش الرحمن بارزاً يوم القيامة ، فصغر في عيني كأنه الذباب .

ودخل ابن السماك علي أبى جعفر فجلس عنده .

فجاء ذباب علي أنف أبي جعفر المنصور الخليفة .

وكلما طرده رجع إلي أنفه .

فقال يا أبن السماك ...يريد أن يهينه أمام الناس ..لماذا خلق الله الذباب ؟

قال : ليذل الله به أنوف الطغاة ‍‍‍‍‍‍‍!!

والنماذج تستمر وتستمر ، والأمة في حشد هائل تنتظر من أهل العلم أن يقولوا وينهوا عن المنكر ويأمروا بالمعروف كما أمرهم الله .

أما النزول إلي الناس :

فالواجب أن يكون علماؤنا علماء عامة .

لأن السلف لا يعرفون العلم في الأبراج العاجية .

وتأمل سيرهم تجدهم يعيشون واقع الأمة وهمومها ،فهم بين درس وبين نصح وبين عمل شريف .

ولا ينزوون كشأن بعض العلماء فال يراهم إلا من تكلف زيارتهم بعد مشقة في استقباله .

وهكذا كان الصحابة قبلهم لمن تأمل واقعهم وجلوسهم مع الناس واختلاطهم بهم وانغماسهم في حياتهم ليعرفوا حالهم .

أسال الله لي ولكم التوفيق والسداد ، وأن يوفقنا للقيام بحقوق علمائنا ، وأن يوفقهم للقيام بما عليهم من حقوق تجاه الأمة .

والله أعلم ، وصلي الله علي نبينا محمد واله وصحبه وسلم .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

حلق العلم

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام علي أشرف الأنبياء  المرسلين نبينا محمد واله وصحبه أجمعين.

أما بعد ..

قال البخاري : عن أبي واقد أن رسول الله ( صلي الله عليه وسلم ) بينما هو جالس في المسجد والناس معه إذ أقبل ثلاثة نفر ، فأقبل اثنان إلي الرسول ( صلي الله عليه وسلم ) وذهب واحد قال : فوقفا علي رسول الله (صلي الله عليه وسلم ) فأما أحدهما فرأي فرجة في الحلقة فجلس فيها ، وأما الثاني فجلس خلفه ، وأما الثالث فادبر ذاهباً.

فلما فرغ رسول الله (صلي الله عليه وسلم ) قال : ( ألا أخبركم عن النفر الثلاثة ؟ أما أحدهم فأوي إلي الله، وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه ، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه ) .

 

في الحديث قضايا :

الأولي : يسأل ابن حجر : لماذا لم يذكر الراوي أ، الثلاثة لما دخلوا المسجد ما سلموا ؟

لأنه يقول : دخل الثلاثة والرسول ( صلي الله عليه وسلم ) جالس ولم يذكر التسليم . ويعتذر لهم بثلاثة أعذار .

1.     ‍أما أنهم سلموا ولم ينقل .

2.  وأما أنهم استحيوا ورأوا ألا يقطعوا الرسول ( صلي الله عليه وسلم ) عن الحديث ، فما سلموا استحياء و ابقاء علي مجلس الرسول ( صلي الله عليه وسلم ).

3.     وأما أنهم لم يعرفوا الحكم أنه ينبغي أن يسلم القادم علي من في المجلس فما سلموا .

حكم هذه المسألة لابد أن سلم القادم على من في المجلس .. لأن عموم الأدلة دلت علي أن السلام سنة .

منها الحديث الذي رواه أهل السنن عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : سالت بلالاً : كيف كنتم تسلمون علي رسول الله ( صلي الله عليه وسلم ) في الصلاة وكيف كان يرد عليكم ؟

قال : كنا إذا سلمنا عليه بسط يده هكذا وهو في الصلاة (صلي الله عليه وسلم ) وسند هذا صحيح .

ودل عليه حديث خباب كذلك في الحاكم وأصله في مسلم أن الرسول ( صلي الله عليه وسلم ) كان إذا سلموا عليه رد (صلي الله عليه وسلم ) إما بالسبابة وإما بالبسط في الصلاة .

ولا يعترض معترض بحديث أبن مسعود الصحيح أنه يقول : كنا نسلم علي رسول الله ( صلي الله عليه وسلم ) فيرد علينا ، فلما قدمنا من الحبشة سلمنا عليه فما رد علينا ثم قال : ( إن في الصلاة لشغلاً ) ، وهذا الحديث صحيح(1). 

ومعناه أنا كنا نسلم عليه فنقول : السلام عليكم ورحمة الله ، فيقول ( صلي الله عليه وسلم ) وعليكم السلام ورحمة الله وهو في الصلاة ،فنسخ هذا الحكم ، وقال ( صلي الله عليه وسلم ) ( إن في الصلاة لشغلاً ) ، وبقيت الإشارة .

ولذلك في صحيح مسلم عن معاوية بن الحكم السلمي قال : قدمت علي رسول الله (صلي الله عليه وسلم)  في المدينة والناس يصلون ، فلما دخلت في الصف سمعت رجلاً عطس في آخر المسجد ، فقلت :  يرحمك الله ـ وهو يصلي مع الناس ـ فسبح الناس ، فعطس ثانية فقلت : يرحمك الله ، فقالوا: سبحان الله .

قلت : مالكم ويل أمي ‍! فلما سلم رسول الله ( صلي الله عليه وسلم ) قال : دعاني ( صلي الله عليه وسلم ) بأبي هو وأمي ، ما رأيت معلماً أرحم ولا ألطف ولا أحـلم منه ، فما كفرني ( أي قطب في وجهي ) ولا كهرني (انتهرني ) وقال : ( إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شئ من كلام الناس ، إنما هي للذكر والتسبيح وقراءة القرآن).

قال أهل العلم : أما الكلام في الصلاة فهو علي ضربين :

1.     من تكلم عامداً بطلت صلاته .

2.     من تكلم جاهلاً أو ناسياً فلا شي عليه .

 

والداخل للمسـجد الأولي له أن يسلم علي أهل الحلقات في حلقاتهم وأهل الدروس في دروسهم . وللأستاذ أن يرد السلام وله أن يكتفي برد الناس.

ثانياً : لماذا لم يذكر الراوي تحية المسجد ؟

قال القاضي عياض : لعل الوقت وقت كراهة فما صلوا ركعتي تحية المسجد .

وهذا فيه احتمال فإذا ورد الاحتمال بطل الاستدلال،ما دام أن الرأي محتمل وليس عند القاضي عياض دليل قاطع علي هذه المسألة فإنه لا يقبل لأن فيه احتمال .

لأن المالكية يقولون إذا دخل بعد العصر وبعد الفجر فلا يصلي ويجلس .

والصحيح أنه يعتذر لهم بثلاثة أعذار :

الأول : أنه يمكن أنها ما شرعت في ذلك الوقت ، قاله ابن حجر .

الثاني : يمكن أنهم صلوا ركعتين فما ذكرها الراوي لا اشتهارها بين الناس .

الثالث : ربما يكونوا علي غير وضوء ، لان لك أن تدخل المسجد علي غير وضوء .

لأن في سنن أبي داود بسند حسن قال ( صلي الله عليه وسلم ): ( إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب ) ، فلما منع ( صلي الله عليه وسلم ) الحائض والجنب من دخول المسجد دل علي أن غيرهم ممن أنتقض وضوؤه يدخل المسجد .

ويقول ابن عمر في الصحيح : كنت أنام في المسجد وأنا أعزب ، أو كما قال .

فدل علي أن من نام في المسجد قد يحدث وهو نائم فينتقض وضوؤه ، فهذا دليل علي أنه يجوز للأنسان  أن يدخل علي غير وضوء .

والصحيح أن ركعتي تحية المسجد سنة مؤكدة ولا بد من أدائها لما في حديث أبي قتادة في الصحيحين قال : قال رسول الله ( صلي الله عليه وسلم ): ( من دخل المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين ) سواء كان في وقت نهي أو في غير وقت نهي ، لان هذا حديث خاص .

أما الحديث العام الذي في الصحيحين أيضاً أن الرسول ( صلي الله عليه وسلم ) قال : ( لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس و لا بعد الفجر حتى تطلع الشمس ) ، فهو عام في الأوقات ويخصصها حديث ذوات الأسباب كأن تكون نمت عن صلاة فتصليها متي ذكرتها ولو بعد الفجر أو العصر لقوله (صلي الله عليه وسلم ) فيما صح عنه : ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها متي ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك )(1) ثم تلا  قوله تعالي : ( وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) (طـه: من الآية14) .

فالذي يدخل المسجد لا يجلس حتى يصلي ركعتين ، ولو أن الخطيب  يخطب يوم الجمعة ، لحديث سليك الغطفاني وهو حديث جابر في مسلم قال دخل سليك الغطفانى والرسول ( صلي الله عليه وسلم ) يخطب الناس ، فجلس ، فقال ( أصليت ) ؟.

قال : لا .

قال : ( قم فصل ركعتين ) .

وفي رواية : ( فأوجز فيهما ) .

فأقامه (صلي الله عليه وسلم ) في الخطبة ، فمن باب أولي أن يصلي الداخـل إلي المسجد تحية المسجد .

ومن دخل والناس في فريضة فتكفيه الفريضة ، وإذا دخل والناس يصلون علي الجنازة فتكفيه صلاة الجنازة .

ومن دخل والوقت ضيق لا يسعه أن يدخل مع الأمام في صلاة الجمعة فيدخل معهم في الصلاة .

ثالثاً : استحباب التحلق ، فمن السنة في مجلس العلم أن يكون حلقة وهي دائرة .

ولكن إذا كان هنالك تكلفة علي الناس أو لم يتسع المكان فلا بأس أن يجلسوا صفوفاً لأن الرسول (صلي الله عليه وسلم ) ثبت أن الصحابة جلسوا معه حلقة، وثبت أنهم جلسوا صفوفاً ، وثبت أنهم جلسوا وبعضهم قد ولي القبلة بظهره.

وبعض الصحابة كان في عهد أبي بكر وعمر يسمع الخطبة وظهره إلي جهة القبلة ، فإذا قامت الصلاة استقبل القبلة .

رابعاً : يقول الرسول ( صلي الله عليه وسلم ): ( فاستحيا فاستحيا الله منه) فيه إثبات صفة الحياء لله عز وجل .

وصرفه ابن حجر لأنه أشعري في الصفات ـ والله أعلم ـ ، ولذلك تجد سماحة الشيخ عبد العزيز بن الباز يتعقبه في الصفات في الحاشية .

فيقول في الحياء هنا : استحيا الله منه أي رحمه ولم يعاقبه .

والصحيح أننا نثبت صفة الحياء لله عز وجل ، كما تليق بجلاله بلا تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه لأن الله  تعالي يقول : ( إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ) (البقرة: من الآية26) . فلما نفي الاستحياء عن نفسه سبحانه في ضرب المثل عند البعوضة دل علي أنه سبحانه وتعالي يستحي من غيرها بمفهوم المخالفة .

ولذلك ورد في حديث سلمان في السنن بسند حسن قال : قال رسول الله ( صلي الله عليه وسلم ): ( إن الله يستحي من أحدكم إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفراً )(1) .

سبحان الله ! مالك الملوك يستحي من العبد الضعيف إذا طلبه وألح في الدعاء .

لـو لـم تـرد نـيـل مـا أرجـو وأطـلـبه        مـن بـحـر جـودك مـا عـلمـتـني الطـلبا

خامساً : في هذا الحديث فضل سد الفرجة ووصل الصفوف ، لأن الأول دخل فرأي فرجة فدخل فيها، فدل علي فضل من عمل هذا العمل وهو أحسنهم عند الله عز وجل .

وفي الحديث : ( من وصل صفاً وصله الله ، ومن قطع صفاً قطعه الله )(2)، ولكن إذا أتيت والصفوف في الصلاة قد اكتملت وكنت أنت وحدك فأين تقف .

فلك أحد الحلول الثلاثة :

1.     إما أن تدخل بجانب الإمام .

2.     وإما أن تسوي الصفوف فتدخل فيها .

3.  وإما أن تقف وتنتظر قليلاً ، فإذا لم يأت أحد فتصلي وصلاتك صحيحة وليس فيها شئ إن شاء الله لقولة تعالي : ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (التغابن: من الآية16) ، وأنت ما استطعت إلا هذا ، وهذا معني كلام شيخ الإسلام ابن تيمية .

والله أعلم ، وصلي الله علي نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .



(1)  أخرجه أبن عساكر وأبن أبي شيبة في تاريخه كما في الإصابة ( 9/220) .

(1)  متفق عليه .

(2)   رواه مسلم

(1)   رواه أحمد وأبو داود ، وحسنه الألباني في المشكاة (212) .

(2)   رواه مسلم .

(3)   متفق عليه

(4)   رواه البخاري

(1)   صحيح الجامع للألباني (895) .

(1)   رواه البخاري .

(2)   رواه مسلم

(1)   صحيح أبي داود (989) .

(1)   تفسير ابن كثير ( 2/549).

(1)   رواه البخاري .

(1)   متفق عليه .

(1)   رواه البخاري

(2)   صحيح أبي داود (3112) .

( 3)   رواه أبن ماجه .

(4)   رواه مسلم .

(1)   رواه البخاري .

(1)   رواه البخاري .

(1)   متفق عليه .

(1)   متفق عليه .

(1)   متفق عليه .

(2)   دعاؤه ( صلى الله عليه وسلم ) لأبي موسى متفق عليه .

(1)   رواه البخاري .

(2)    رواه الترمذي ، وحسنه الألباني في المشكاة ( 230) .

(1)   أخرجه البخاري ( 1/164رقم 71) ، وأخرجه مسلم ( رقم 1037) .

(2)   أخرجه البخاري ( 6/496 رقم 3461) .

(3)   صححه الألباني في المشكاة (5176) .

(4)   أخرجه الترمذي (7/456- 457تحفة ) والطبراني في الكبير (8/277رقم 7912) .

(5)   حسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب رقم 68.

(6)   مدارج السالكين (2/305) .

(1)   كما ذكر ذلك ابن الجوزي رحمة الله في كتابه الموضوعات .

(2)   حديث صحيح رواه أحمد وأبو داود .

(1)   رواه مسلم .

(1)   رواه مسلم .

(1)   متفق عليه .

(1)   رواه مسلم .

(2)   رواه مسلم بنحوه ، وأنظر : الصحيحة ( 3/460).

(1)   رواه الدارمي (1/57) ، وانظر : كنز العمال (30390) .

(1)   متفق عليه

(1)   متفق عليه .

(1)   رواه الترمذي ، وصححه الألباني في المشكاة ( 230).

(2)   رواه البخاري .

(1)   صحيح أبي داود ( 3096) .

(2)   متفق عليه .

(3)   رواه مسلم .

(4)   رواه الترمذي ، وصححه الألباني في المشكاة ( 225) .

(1)   رواه أحمد ,أبو داود ، وصححه الألباني في المشكاة (227) .

(2)   قال في كشف الخفاء (2542) : رواه أبو نعيم عن أنس .

(1)   وللأسف أن منهم من يحمل شهادة الدكتوراه . وكان الواجب عليهم أن يخرجوا الأمة بعلمهم من ربقة التعصب والتقليد .

(1)   رواه أبو داود (2885) ،والبيهقي (6/208) .

(2)   رواه مسلم .

(1)   رواه أحمد وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه ، وصححه الألباني في المشكاة ( 162) .

(1)     صحيح الترمذي (1732) .

(1)   صحيح أبي داود للألباني (3096) .

(1)   رواه أبو داود .

(2)   رواه مسلم .

(3)   من حلية طالب العلم للشيخ بكر أبو زيد باختصار .

(1)   رواه البخاري .

(1)   وقد أبان عن أخطائه في هذا المختصر وغيره من كثير من العلماء الأجلاء  كالشيخ بكر أبو زيد وجميل زينو وغيرهم . فلذلك لا ينبغي للمسلم أن يحرص على اقتناء هذه المختصرات [الناشر ].

(1)   رواه أبو يعلي في مسنده . وقال ابن كثير (4/507) : ( هذا حديث ضعيف لأن يزيداً الرقاشي ضعيف ) . وقد رواه البخاري بلفظ : ( الشمس والقمر يكوران يوم القيامة ) ، أي دون ذكر : النار .

(1)   ومن كتب التفسير المشهورة تفسير الإمام البغوي ، فهو كتاب نافع كثيراً ما يوصي به سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز عندما يسأل عن أفضل كتب التفسير ، فهو يذكر ابن كثير والبغوي . كذلك تفسير الشيخ عبد الرحمن بن سعدي المعروف بتيسير الكريم الرحمن ، فقد سئل الشيخ صالح الفوزان في محاضرة ( الدين النصيحة ) عن أفضل الكتب في التفسير فقال : عن تفسير البغوي بأنه تفسير جيد سلفي وهو أخصر من تفسير ابن كثير وهو لطلبة العلم ، وعن تفسير ابن سعدي فقال هذا كتاب عظيم يصلح للمبتدئ وطلبة العلم والعالم ، لأنه كتاب سهل التعبير سهل الألفاظ وجامع لأنواع العلوم .

(1)  مقدمة فتح الباري الفصل الأول  ص 9.

(1)   ومن المختصرات : تلخيص صحيح الإمام مسلم للأمام  الفقيه أبي العباس أحمد بن عمر القرطبي في مجلدين محققين . وذكر المحقق أنه افضل من اختصار المنذري من عدة وجوه ذكرها في مقدمة التحقيق .

(1)   ويحققه هذا الأيام : الأستاذ حسين سليم أسد .

(1)   وقد هذبه محمد حسن عقيل موسى في ثلاث مجلدات وسماه : ( نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء ) .

(2)   وترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية لم ترد في المطبوع . وقد ذكرها ابن الوزير في كتابه ( العواصم من القواصم ) المطبوع حديثاً بتحقيق الأرناؤوط . [ الناشر] .

(1)   حاشية الروض المربع شرح زاد المستنقع للشيخ عبد الرحمن بن قاسم .

(2)   وقد حققه كل من الشيخين عبد الله التركي ومحمد الحلو وهو مطبوع .

(1)   ولسماحة الشيخ الوالد عبد العزيز بن باز رحمة الله تعليقات عليه .

(2)   خرج أحاديثه الشيخ العلامة محمد ناصر الدين الألباني .

(1)   في كتاب : ( المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الأحياء من الأخبار ).

(2)   واختصر الأحياء أيضاً العلامة الشيخ جمال الدين القاسمي في مختصر سماه ( تهذيب موعظة المؤمنين ) ، وقد راجعه وحقق أحاديثه محمود الإستانبولي ومحمد عباسي .

(3)   علق عليه الشيخان شعيب وعبد القادر الأرنؤوط .

(4)   وقد بدأ بتحقيقه الشيخ محمد ناصر الدين الألباني وخرج منه الجزء الأول .

(5)   وذلك تحسيناً للظن في بعضهم [ الناشر ] .

(1)   متفق عليه .

(1)   متفق عليه .

(1)   رواه أحمد (2/499) ، وابن ماجه (95) .

(2)   متفق عليه .

(1)   متفق عليه .

(1)    متفق عليه .

(1)    رواه الترمذي وابن ماجه ، وأبو داود .

(2)   صحيح أبي داود (620) .

تاريخ التحديث : Apr 15, 2005













 
حقوق النشر والطبع © 2005 فضيلة الشيخ عائض القرني. جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2005 Ayedh Algarne - algarne.com . All rights reserved

info@algarne.com